تحالف الرياض-أنقرة-إسلام آباد: قراءة في إستراتيجية التعويض ومأزق القوة الإقليمي
حسن بن عمارة-تونس
مع بداية الشهر الخامس لاندلاع الحرب على إيران، يُعلن عن تشكيل تحالف سعودي تركي باكستاني، ليتجلى لنا بوضوح الانكفاء الأمريكي غير المسبوق في حروبها العدوانية. يأتي هذا مع إعلان واشنطن رسمياً قبولها برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية فور إعلان التفاهم الإيراني-العماني، لندرك إذعان من بدأ الحرب، وتقديم إنجاز كانت تبحث عنه طهران من مدة لبسط سيطرتها على مضيق هرمز، وتعويض خسائر الحصار الاقتصادي وأضرار الحرب، بفرض رسوم 7% على بواخر النقل. من هنا يمكن أن نفهم الالتفاف الاستباقي على النتائج والخوف من الصعود الإيراني.

هذا التراجع يأتي تزامناً مع كشف إعلامي للبيت الأبيض عن تسريبات لانخفاض مهول في مخزون الصواريخ الاعتراضية والهجومية الأمريكية، إذ فقدت في أحد قواعدها فقط في الأردن 800 صاروخ هجومي من نوع باتريوت وتوماهوك بالقصف الإيراني، ليعطل الهجوم الأخير ويخلق حالة من الاختلاف بين القيادة العسكرية والسياسة. مارس بعدها رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي، الجنرال دان كاين، ضغوطاً لإيجاد “مخرج عاجل” للحرب، وأكد عجز القوة الجوية عن تحقيق أهدافها، مع ارتفاع صوت قائد القوات الأمريكية في القارة الأوروبية بالتخيير بين الدفاع عن مصالح أمريكا أو الكيان الصهيوني.

كانت الترسانة العسكرية الأمريكية وتفوقها الجوي وتحالفها الميداني مع دول الخليج – التي كُشف أن القواعد الأمريكية المتمركزة فيها أكثر من قواعد جيوشها – كافياً لفرض معادلة القوة التي انطلقت من أجلها الحرب، لكن مع ثبات إيران ومقاومتها تغيرت المقاييس، وأصبحت السيطرة تُحسب بالقدرة على التأثير في قرار الحرب والتحكم بطريق الطاقة، شريان الاقتصاد العالمي، وفي كلفة استمرار الصراع. لهذا أصبح السؤال: عمن يرفع المواجهة إلى مستوى لا يحتمله الطرف الآخر ويفرض شروطه؟

مشكلة العالم العربي والإسلامي ليست في السعودية فقط، بل تتجاوزها إلى طرح السؤال المصيري: هل الدول ذات الثقل في جغرافيا الإقليم تعمل ضمن استراتيجية مصالحها العليا؟ أم هي وظيفية وستبقى على نسقها القديم في العلاقات مع الغرب؟

في المشهد القائم، يُطرح سؤال آخر مهم جداً: ما الذي يدفع دولة بحجم السعودية أو تركيا أو باكستان إلى هذا النشاط المتسارع على أكثر من جبهة في وقت واحد؟ مع تسارع الأحداث، وكل المؤشرات تظهر أنه بالإمكان جني نتائج ذات أهمية أكبر في المنطقة عندما تُجرى مفاوضات أوسع بين دول المنطقة لإيجاد حلول جذرية لأمنها القومي بعد تآكل الوجود الأمريكي وبروز قوى جديدة.

من الواضح أن هذا التوافق التركي السعودي الباكستاني مدفوع “بالقلق من فراغ أمني محتمل في المنطقة” ومن تداعيات الارتباك الأمريكي في إدارة الواقع الإقليمي للشرق الأوسط الجديد. كما يبدو أن السعودية تريد أن تتحرك بعد الحرب الأخيرة في الاتجاهات الأقل تأثيراً على قرارها السياسي مع فقدان نفوذها في الإقليم، والأكيد أن المسار الأكثر ارتباطاً بمصالحها المباشرة سيظل هو الأمريكي دون شك.

هذا التسرع، مع ما وصلت إليه الأحداث في مضيق هرمز، يعكس ضيق الخيارات لكل الأطراف، لأن الدولة الواثقة من قوتها وموقعها الجيوستراتيجي لا تستهلك أدواتها بهذا النمط، ولا تتعاطى مع المحطات المصيرية بردود الخوف والسرعة المشبوهة، بل تتحرك وفق خطة تحكمها أهداف استراتيجية. كما لا تحتاج إلى عقد اجتماعات من مكة المكرمة لزعماء لم تجد منهم غزة أي دعم أو قرار يلزم الكيان الصهيوني بإيقاف الإبادة الجماعية المتواصلة منذ انطلاق الحرب، وأثناء الاجتماع المنعقد.

هذه السرعة في إبرام الاتفاقيات تكشف لنا أن بيئة حكام الإقليم لم تتغير، بينما المنطقة تعيش تغيرات كبرى يمكن من خلالها أن يصبح لها قرار سيادي بعيداً عن تجاذبات قوى الهيمنة القديمة، بينما لا يزال أغلبهم يتعامل بوهم عقلية زمن التبعية.

من هنا، يجب أن تُقرأ التحركات الأخيرة والتحالفات بأنها محاولة لتعويض خلل بنيوي في ميزان القوة. إن الدعوة للدفاع المشترك لا تعني شيئاً مقابل قوة إيران الجديدة، وصلابة الموقف اليماني، وسياسة الأمر الواقع التي ستُفرض من مضيق هرمز إلى باب المندب. وما لم يستطع الأمريكي انتزاعه بالقوة، لن يستطيع عليه غيره مهما بلغت تحالفاته.

لم تغير الحروب الهجومية الأخيرة في النتائج شيئاً، كما لن تغير الاتفاقات الدفاعية واقعاً فرضته سنوات طويلة من التحولات الميدانية والتغيرات الجيوستراتيجية.

البعيد جغرافيا، وإن كان وزنه ديموغرافياً كبيراً، لن يحل ملف الأمن القومي لدول الخليج، وبالتحديد السعودية وأمنها البحري المرتبط شرقاً بما يجري في مضيق هرمز وما ستفرضه إيران، وجنوباً بما سيجري في باب المندب وتفرضه حكومة اليمن.

أي إن ضمان انسياب التجارة والطاقة للسعودية وغيرها يمر عبر بوابات المحور، لا عبر الاتفاقيات الاستعراضية، لتبقى الأزمة الوجودية لتعايش دول الخليج قائمة الذات.

إن من يقرأ المشهد بعقلية التحالف السني، سيجد نفسه أمام أكبر عملية تسفيه للعقول وتزوير للحقائق، وميدان غزة السنية متروك للإبادة الصهيونية تحت رضا الدول السنية القريبة والبعيدة قبل غيرها.

يبقى أن من يدرك طبيعة التحول، سيفهم أن التسويات، وإن كانت مع المغاير، ليست دائماً علامة ضعف، بل قد تكون الأكثر واقعية للتعايش مع الجار القوي بحسن إدارة الأزمة وطي الملفات القديمة، وما يجمع دول المنطقة من مصالح وتقاطعات أكثر مما شتتهم.

جاء الرد الإيراني على لسان عباس عراقجي، بين لغة دبلوماسية وتنبيه واضح للجميع، بقوله عن تحالف مكة: “جميع الدول إخوة، والعدو واحد، وهم يعلمون قوة إيران”. وأضاف عراقجي: “إن إدراك أشقائنا في المنطقة لأهمية التعاون الإقليمي يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن الأمن الحقيقي لن يُبنى بالاعتماد على مسارات خاطئة أو الاستقواء بجهات خارجية. لقد أثبتت القوات المسلحة الإيرانية جاهزيتها العالية وقوتها في الميدان، ونحذر من أي حسابات خاطئة قد تستهدف أمننا، لأن ردنا سيكون حاسماً وبلا تهاون. وفي الوقت ذاته، تؤكد إيران أن يدها ممدودة لكل حلف إسلامي صادق، وأننا نرحب بل ونستعد للانضمام والدعم لأي تكتل يجمع الأمة، طالما أن بوصلته واضحة في مواجهة العدو للأمة الإسلامية، وطالما أن الهدف هو حماية مقدرات المنطقة بجهود أبنائها دون غيرهم. إيران ترحب بالانضمام، وسيزداد الحلف قوة لأن الجميع يخشى إيران.”

من الأكيد أن طهران ستراقب التحالف الجديد بدقة، وستتعامل معه ضمن دبلوماسية مرنة وتقاطع للمصالح المشتركة، دون فتح مجال للرجوع الأمريكي بعناوين جديدة. وأهم من يتصور بهذه الاتفاقيات أنه سيعزز الردع بوجود الغير، ويقيّد حركة الإيرانيين ويحاصرهم، فطهران كيفت وضعها السياسي من سنوات بالتشبيك مع جماهير الأمة لا الحكومات، وبهذه الحرب اكتسبت شعبية وشرعية بعد سنين عجاف من ضخ الإعلام لشيطنتها، كما ستكثف جهودها بعد هذه الحرب لبناء تحالفات جديدة لقلب المعادلات.

ما كانت تحتاجه دول الخليج للاستقرار هو فتح ورشة مراجعة كبيرة لسياستها لما مضى منها، والعمل على بدايات جديدة سواء في العلاقات الخارجية مع دول الجوار أو الداخلية مع الطيف السياسي المسجون دون وجه حق في زنزاناتها.

كما يجب التذكير أن الدول الثلاث التي أمضت الاتفاق تتباين في أولوياتها الأمنية تبايناً واضحاً، ويمكن أن تتقارب في أهدافها الاقتصادية لا غير. الهم الأمني الأول لباكستان هو الهند ومشكلة كشمير، والآن أصبحت أفغانستان وبعض الجماعات الانفصالية. أما تركيا فخصومها هي الحركات الكردية الانفصالية، إضافة إلى الوضع المقلق في سوريا وانعكاساته المباشرة على إسطنبول، وربما دول القوقاز وحرب أوكرانيا. بينما يتمحور القلق الأمني السعودي حول سياسات إيران وأنصار الله اليمنيين، أي أنه لا يوجد خطر مشترك بينهم بالمعنى الذي يدفع لإنشاء هذا الاتفاق.

ما سُرب من كواليس السياسيين يكشف أن الأمريكي يعرف تفاصيل هذا الاتفاق، بل وأعطى الضوء الأخضر للأطراف الثلاثة التي تربطه بهم علاقات فوق العادة.

الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية هو البعد الاقتصادي، فحجم التبادل التجاري بين إيران وتركيا تجاوز الخمسة مليارات دولار، ومع باكستان تجاوز 2.7 مليار دولار مع العمل على بناء سكك حديدية لخط قطار إسلام آباد – موسكو ويمر عبر إيران، إلا أن التعاون الاقتصادي لهذه الدول مع السعودية ما زال محدوداً ولم يتجاوز مائة مليون دولار.

في الختام، أمضت السعودية اتفاقيات حماية عديدة مع أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي ومصر، فهل ستقدر بهذا الاتفاق تثبيت استقرارها مع المتغيرات الإقليمية القادمة؟