من عقلية المعارضة إلى عقلية البديل
ميشيل شحادة
ليست أزمة الساحة الفلسطينية في أن النظام السياسي القائم فقد قدرته على إنتاج مشروع وطني فحسب، بل في أن القوى التي يفترض أن تتجاوزه لم تنتج حتى الآن البديل القادر على الحلول مكانه. فقد استنفد النظام الذي نشأ عن أوسلو وظيفته الوطنية، وتحول إلى بنية تدير الفلسطينيين لصالح الاحتلال، وتضبط المجال السياسي والأمني بما يخدم أهدافه. لكن بقاء هذا النظام لا يعود إلى قدرته الذاتية وحدها، بل أيضا إلى أن معظم القوى الواقعة خارجه أو على هامشه ما زالت، بدرجات متفاوتة، تتحرك داخل العقل السياسي الذي أنتجه.
وهنا لا بد من التمييز بين نوعين من القوى. هناك أولا ما يمكن تسميته المعارضة الموالية للنظام: قوى وفصائل ترفع صوتها بالنقد وتعترض على بعض السياسات، لكنها بقيت سياسيا ومؤسساتيا تدور في فلك النظام الأوسلوي. تنتظر مبادرات السلطة، وتلاحق الحوار مع قيادتها وحركة فتح، وتتعامل مع المؤسسات القائمة باعتبارها المجال الطبيعي لحركتها. هي تعارض أداء النظام، لكنها لا تعمل على تجاوزه؛ تنتقد بعض قراراته، لكنها تظل مرتبطة به وتبحث عن موقع داخله.
وفي الجهة الأخرى تقف قوى المقاومة، وخصوصا تلك التي خاضت في غزة مقاومة بطولية ملحمية، وأظهرت قدرة استثنائية على التنظيم والصمود والمبادرة في ظروف بالغة القسوة. ولا يمكن مساواة هذه القوى بالمعارضة الموالية، لا في موقفها من الاحتلال ولا في حجم الأثمان التي دفعتها. غير أن المفارقة تظهر عند الانتقال من ميدان المقاومة إلى المجال السياسي الفلسطيني الداخلي: فهذه القوى تمردت عمليا على منطق أوسلو في مواجهتها للاحتلال، لكنها لم تتحرر، بالقدر نفسه، من عقلية المعارضة في ممارستها السياسية.
فهي ما زالت تدخل في دوائر المصالحة، وتناقش الانتخابات داخل البنية القائمة، وتتمسك بإعادة بناء منظمة التحرير، وتعود إلى طاولة النظام الذي يفترض أنها تريد تجاوزه، وكأن المطلوب هو تحسين شروط المشاركة فيه لا بناء ما يحل مكانه. وهنا تكمن المفارقة: يمكن لقوة أن تكون ثورية في الميدان، وأن تبقى تقليدية في تصورها للنظام السياسي.
المقاومة المسلحة، مهما بلغت بطولتها، لا تتحول تلقائيا إلى مشروع تحرر شامل. فالبديل ليس مجرد موقف أشد صلابة من السلطة، ولا حكومة أخرى، ولا إعادة توزيع للمقاعد. عقلية البديل تعني امتلاك المبادرة لبناء مركز قرار مستقل، وتنظيم القوة في المجتمع، وإنتاج المؤسسات والقيادات والبرامج التي تبدأ، منذ الآن، بأداء الوظائف التي يعجز عنها النظام القائم. وهي تعني الانتقال من انتظار ما يطرحه الآخرون إلى فرض جدول أعمال جديد، ومن الاعتراض على الواقع إلى خلق وقائع سياسية واجتماعية تغير ميزان القوى نفسه.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح على قوى المقاومة، لذلك، ليس فقط كيف تستمر المواجهة، بل: ما النظام الذي سيحل محل النظام المهزوم، وما الذي يجري بناؤه اليوم ليجعل هذا البديل ممكنا غدا؟
لقد ورث الفلسطينيون من المرحلة السابقة عقلا سياسيا يقوم على مركزية القرار، وشخصنة القيادة، وإدارة الخلاف بالاحتواء، وربط القوى بالمؤسسة والمال والحصة، وتحويل “الوحدة الوطنية” إلى آلية لإبقاء المعارضة تحت سقف المركز المهيمن. وكان يمكن للفصائل أن تعترض ما دام اعتراضها لا يتحول إلى قوة مستقلة قادرة على إنتاج بديل.
والمؤلم أن كثيرا من هذا المنهج بقي حيا حتى داخل القوى التي عارضته. فما زالت “الوحدة” تستخدم لتأجيل المبادرة، وما زال انتظار الإجماع يشل الفعل، وما زالت جولات المصالحة تتكرر، تتغير العواصم والبيانات ولا تتغير النتيجة.
المشكلة ليست فقط أن السلطة لا تنفذ الاتفاقات. المشكلة أن القوى الأخرى تعود إلى الوسيلة نفسها بعد أن أثبتت عجزها. وعندما تفشل الآلية مرة بعد مرة، يصبح تكرارها من دون تغيير في ميزان القوى أو أدوات الضغط تعبيرا عن أزمة في التفكير، لا عن خلل عابر في التنفيذ.
والانتخابات مثال آخر. فقد جرى التعامل معها مرارا باعتبارها مخرجا للأزمة، مع أن الانتخابات تحت الاحتلال وضمن بنية أوسلو لا تنتج سيادة، ولا تبني حركة جماهيرية، ولا تغير وحدها طبيعة النظام الذي تجري داخله. صندوق الاقتراع قد يحدد الفائز بالمقاعد، لكنه لا يخلق القوة القادرة على تغيير الواقع.
أما بناء القوة فيحتاج إلى عمل طويل داخل المجتمع: في الجامعات والنقابات والمخيمات والقرى والمدن والمؤسسات المهنية والثقافية والاجتماعية. يحتاج إلى كوادر وقيادات وبرامج تربط التحرر الوطني بحياة الناس ومصالحهم اليومية، وتجعل المجتمع شريكا في صناعة الفعل لا جمهورا يستدعى عند الحاجة.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر قسوة: الفلسطينيون أظهروا استعدادا للتضحية يفوق بكثير قدرة نظامهم السياسي وقواهم المنظمة على تحويل تلك التضحيات إلى قوة تاريخية متراكمة. لقد قدمت الجماهير، جيلا بعد جيل، أكثر مما قدمت لها قياداتها ومؤسساتها. ومن هنا تأتي مسؤولية قوى المقاومة تحديدا: فلا يكفي أن تبني قدرة عسكرية؛ عليها أن تبني المجال السياسي والاجتماعي الذي يستطيع حمل مشروع التحرر. فمن لا يبني قوته في المجتمع سيظل مضطرا، عاجلا أو آجلا، إلى التفاوض على موقعه داخل قوة غيره.
وفي هذا السياق تبدو الدعوة إلى “إصلاح منظمة التحرير” مثالا واضحا على تقديم الأداة على الوظيفة. ويقول المدافعون عنها إن المنظمة حققت مكاسب بتضحيات الفلسطينيين، وإن المطلوب هو استعادتها من السلطة وإعادتها إلى برنامج وطني مقاوم وإحياء ميثاقها الوطني.
لكن إذا كان هذا هو المقصود فعلا، فإن جوهر المسألة لا يعود اسم “منظمة التحرير”، بل ميزان القوى القادر على تحقيق هذا التحول.
فإعادة مؤسسة خاضعة للنظام القائم إلى برنامج مقاوم ليست عملية إدارية، ولا تتحقق بتعديل اللوائح أو إعادة توزيع المقاعد. إنها تفترض وجود قوة سياسية واجتماعية منظمة تستطيع انتزاع القرار وتغيير اتجاهه ووظيفته. وإذا استطاعت هذه القوة أن تفعل ذلك، فإنها تكون قد أنجزت الأهم: غيّرت ميزان القوى وأنتجت مركزا جديدا للقرار.
وعندها يصبح الاسم مسألة ثانوية. قد يسمى الإطار منظمة التحرير، وقد يحمل اسما آخر. المهم من يملك القرار، وأي برنامج يحكمه، وما علاقته بالمقاومة والمجتمع، وهل يراكم عناصر القوة أم يعيد إنتاج عناصر الضعف.
التضحيات تُكرَّم بحماية أهدافها، لا بتحويل الأدوات التي استُخدمت يوما لتحقيقها إلى مقدسات سياسية.
منظمة التحرير كانت أداة لخدمة مشروع وطني في مرحلة محددة، وما حققته في الماضي لا يمنح شكلها المؤسسي حصانة أبدية. وإذا كانت استعادة وظيفتها المقاومة تحتاج أصلا إلى تغيير ميزان القوى، فإن الأولوية ليست استعادة الاسم، بل بناء القوة التي تستطيع أن تمنح أي إطار نختاره وظيفة تحررية حقيقية.
وهنا يبدأ الانتقال الضروري من عقلية المعارضة إلى عقلية البديل. المعارضة تنتظر مبادرة النظام ثم تتعامل معها؛ أما البديل فينتج المبادرة. المعارضة تبحث عن موقع داخل المؤسسة؛ أما البديل فيبني المؤسسة التي يحتاجها. المعارضة تجعل إصلاح الموجود غاية؛ أما البديل فيبدأ من السؤال الأصعب: ما الذي يجب أن يحل مكانه؟
وهذا هو الاستحقاق الحقيقي أمام القوى الوطنية الجادة، وخصوصا قوى المقاومة: أن تنتقل من مقاومة النظام القائم إلى بناء ما بعده؛ من انتظار الحصة إلى صناعة القوة؛ ومن ترميم مؤسسات فقدت وظيفتها إلى إنشاء مؤسسات تنتمي إلى المرحلة المقبلة وتحمل هموم الفلسطينيين وطموحاتهم بمستوى يليق بما قدموه من تضحيات.
فالمشكلة الفلسطينية اليوم ليست غياب مؤسسة تحمل اسما وطنيا، بل غياب القوة المنظمة القادرة على فرض وظيفة وطنية. وحين تتكون هذه القوة وتتجذر في المجتمع وتملك المبادرة والبرنامج ومركز القرار، لن يعود السؤال: كيف ندخل النظام القديم، أو كيف نستعيد هذه المؤسسة أو تلك؟ سيصبح السؤال: أي نظام يحتاجه الفلسطينيون لكي يواصلوا مشروع التحرر، وكيف نبنيه؟
عندها فقط تتغير قواعد الصراع الداخلي. وعندها تصبح المؤسسات نتيجة لميزان قوة جديد، لا بديلا عن بنائه. وعندها أيضا نكون قد انتقلنا فعلا من معارضة نظام مهزوم إلى إنتاج بديل عنه.
فالخروج من الأزمة لا يبدأ بإصلاح الماضي الفاشل، بل ببناء القوة القادرة على إنتاج المستقبل.
المصدر: الرأي اليوم
