تمتلك سلطات الاستبداد والأمر الواقع موهبة غريبة وجريئة في إعادة تدوير الكوارث؛ فهي لا ترى في الفواجع الإنسانية أو البيئية خطراً يستوجب الاستنفار لحماية البشر، بل ترى فيها “مظلّة دخان” مثالية. مظلّة تُرفع في التوقيت المناسب للتعمية على أبشع جرائمها البنيوية، وحجب أنظار الجماهير عن مسالخها البشرية ومحاكمها الهزلية.
​إن ما شهدته خطوط المواجهة والجرائم الموثقة مؤخراً يعكس بوضوح هذه الاستراتيجية الخبيثة: استخدام دويّ الكوارث الكبرى لابتلاع صرخات الضحايا الصامتة في أقبية السجون.
​سلاح المياه والكوارث البيئية: جريمة حرب عابرة للحدود وتواطؤ في الداخل
​في التاسع والعشرين من أيار/مايو 2026، استيقظ السوريون في دير الزور والرقة على فيضانات كارثية لم تكن من صنع الطبيعة، بل كانت فعلاً متعمداً ومفاجئاً أقدمت عليه الدولة التركية بفتح بوابات سدودها دون أي إنذار مسبق.
​بحسب التوثيقات القانونية الصادرة عن المرصد الوطني السوري لحقوق الإنسان، أدت هذه الفيضانات الممنهجة إلى خروج أكثر من 60 محطة مياه عن الخدمة، وانهيار الجسور، وغرق أحياء وقرى كاملة، وتلف مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تمثل سلة السوريين الغذائية، فضلاً عن تسجيل حالات غرق مأساوية بين المدنيين، كان من بينهم أطفال غيبهم الموج الغادر.
​من الناحية القانونية، هذا الفعل ليس “إجراءً تقنياً”، بل هو جريمة ضد الإنسانية بموجب المادتين 7(1)(a) و7(1)(k) من نظام روما الأساسي (القتل العمد والأفعال اللاإنسانية الأخرى)، وانتهاك صارخ للحق في الحياة والصحة والمستوى المعيشي اللائق. إنه استخدام صريح ومكتمل الأركان للموارد الطبيعية كـ “سلاح حرب” عشوائي ومفرط.
​ولكن، أين تكمن المفارقة؟ تكمن في موقف “سلطة الجولاني” بصفتها سلطة الأمر الواقع؛ حيث قوبلت هذه الكارثة بصمت مريب وتواطؤ ضمني مخزٍ. لم تتخذ هذه السلطة أي إجراء احترازي لحماية السكان، ولم يصدر عنها أي احتجاج رسمي يحمل حليفتها تركيا المسؤولية. هذا الصمت ليس عجزاً، بل هو ثمن التحالفات السياسية الضيقة التي تدفع ثمنها براءة الأطفال المحاصرة بالسيول.
​هندسة التشتيت: الفيضان كغطاء لـ “نمط الإكراه الموحد”
​الهدف الأعمق للسلطة من تضخيم أحداث معينة أو الصمت عن أخرى هو توجيه الوعي الجمعي بعيداً عن جرائمها الممنهجة التي تجري في الظلام. فبينما ينشغل الرأي العام بمتابعة أخبار الغرق والدمار على ضفاف الفرات، تمرر السلطة أبشع أنماط الترهيب وتصفية الحسابات:
​في ذات توقيت الكارثة البيئية، كانت السلطة تمارس سياستها الممنهجة في طمس جرائم الإخفاء القسري والاتجار بالبشر. تكرر السيناريو الإجرامي ذاته في قضية الشابة سهام محمد الخلوف، التي اختطفت في ريف مصياف ليتم إجبارها لاحقاً على الظهور في فيديو تحت وطأة الإكراه والانهيار النفسي، وهي ترتدي النقاب لتبرئ خاطفيها في “الأمن العام” وادعاء الهروب من أهلها. هذا النمط المتكرر بالحرف من قضية بتول علوش وقبلهما عبير عجيب، يثبت وجود “سياسة مؤسساتية ممنهجة” لإخفاء الجريمة، تُدار بواسطة شبكة موحدة تحظى بحماية القيادة العليا للسلطة.
​وفي درعا، استغلت السلطة انشغال الشارع لتمرير واحدة من أبشع سوابق الحرمان المتعمد من العدالة؛ حيث صدر حكم قضائي هزلي بالسجن 8 أشهر فقط على القاتل “يحيى نايف الشرع” (ابن مدير مكتب محافظ درعا) بعد إدانته بطعن الشاب تيم العدوي طعنتين قاتلتين في القلب والرأس مع سبق الإصرار والترصد. عندما يتحول القضاء إلى أداة إدارية لحماية أتباع السلطة وأبناء مسؤوليها بينما يعفن الأبرياء في السجون دون محاكمة، فإن هذه المحاكم تسقط عنها أي شرعية، وتصبح نموذجاً صارخاً يدفع المجتمع الدولي لتفعيل “الولاية القضائية العالمية” لانتزاع الحقوق.
​لم تتوقف الآلة الأمنية؛ ففي الطيانة بريف دير الزور، قُتل الشاب أحمد المخلف العمير تعذيباً حتى الموت على يد “الأمن العام”، وجرى تشويه وجهه وبتر أذنيه في سادية مفرطة، بالتزامن مع جولات طائفية استفزازية في دمشق القديمة وحماة، وقمع عنيف للمتظاهرين والعمال في ريف حلب (ترحين)، ونبش وتخريب قبور الشهداء الأكراد في الرقة.
​إن سلطة الأمر الواقع تحاول جاهدة إقناع العالم بأن ما يحدث في مناطقها هو إما “كوارث طبيعية لا يد لها فيها” أو “انفلات أمني وأخطاء فردية”. لكن التوثيق القانوني الدقيق يفكك هذه الأكاذيب؛ فالرابط الخفي بين الفيضانات المتعمّدة في الشرق وبين الفيديوهات المفبركة وجثث التعذيب في الغرب والشمال، هو “غياب المحاسبة والتوظيف الانتقائي للعدالة”.
​تستخدم السلطة مأساة الفيضانات وسلاح المياه لتبدو في مظهر الضحية أو المحايد، بينما هي شريك متواطئ بالصمت مع القوى الخارجية، وشريك مباشر بالعمل التنفيذي في سحق المواطن بالداخل.
​إن دماء أطفال الفرات الذين غرقوا بسبب فتح السدود التركية، ودماء الشاب تيم العدوي، ودموع سهام الخلوف المُكرهة، كلها تنبع من مستنقع واحد: نظام الإفلات من العقاب الذي يصنع فيه الجلادون قوانينهم الخاصة، ويستخدمون الكوارث كستائر مسرحية لإخفاء المقابر الجماعية وراءها. العدالة لا يمكن تجزئتها، والتعمية لن تدوم، فكل جريمة جرى التغطية عليها بكارثة أخرى، باتت اليوم ملفاً قانونياً مطروحاً أمام ضمير العالم وآليات المساءلة الدولية.
د. نبيلة عفيف غصن