رسول حسين ابو السبح-العراق في مشهد يكاد يصلح لأن يكون مسرحية كوميدية سوداء أكثر منه حدثاً سياسياً، انشغلت بعض الدول العربية خلال الساعات الماضية بسلسلة متلاحقة من بيانات الإدانة والاستنكار، الأردن يدين القصف على الكويت، والبحرين تدين القصف على السعودية، وقطر تدين القصف على الكويت، والسعودية تدين القصف على البحرين، والكويت تدين القصف على الأردن، والإمارات تدين القصف على البحرين، ثم تعود الكويت لتدين القصف على الإمارات.وكأن المنطقة دخلت في ماراثون رسمي عنوانه، “من يدين أولاً يفز بالمركز الأول في بطولة السيادة الورقية”.المفارقة التي تثير الضحك والبكاء معاً أن هذه البيانات تصدر وكأن أصحابها يمتلكون القرار الكامل في حماية حدودهم وأجوائهم ومصالحهم، بينما يعرف الجميع أن المنطقة بأسرها تعيش تحت مظلات أمنية وقواعد عسكرية أجنبية تجعل الحديث عن السيادة المطلقة أقرب إلى النكتة السياسية منه إلى الواقع الجيوسياسي.لقد تحولت الإدانة في بعض الأحيان إلى بديل عن الفعل، وإلى طقس بروتوكولي محفوظ أكثر من كونها موقفاً سياسياً مؤثراً، فكلما وقع حدث خطير، خرجت البيانات ذاتها تقريباً مع تغيير اسم الدولة المستهدفة فقط، حتى بات القارئ يستطيع كتابة البيان القادم قبل صدوره.المشهد يبدو أشبه بمجموعة مستأجرين يتشاجرون داخل بناية يملكها شخص آخر، ثم يصدر كل واحد منهم بياناً شديد اللهجة يؤكد فيه استقلال قراره وسيادته الكاملة على شقته، بينما مفاتيح المبنى كلها في جيب المالك نفسه.ولعل أكثر ما يثير الأسى أن هذه الدول لا تزال تتحدث بلغة الدول العظمى وهي عاجزة عن منع طائرة أو صاروخ أو حتى قرار سياسي خارجي من إعادة رسم أولوياتها بين ليلة وضحاها، ومع ذلك تستمر ماكينة الإدانات بالدوران بلا توقف، وكأن البيانات وحدها قادرة على ردع الأزمات وحماية الحدود.في النهاية، لم يعد المواطن العربي ينتظر نتائج هذه الإدانات بقدر ما ينتظر البيان التالي، لأن التسلسل أصبح متوقعاً إلى درجة الكوميديا، دولة تدين، ثم أخرى تدين الإدانة، وثالثة تدين الحدث، ورابعة تدين الصمت، حتى تضيع القضية الأصلية وسط مهرجان لا ينتهي من الاستنكار الرسمي.إنها حقاً جمهورية الإدانات المتحدة، اتحاد سياسي فريد لا يجتمع على مشروع نهضوي أو موقف استراتيجي موحد، لكنه يثبت يوماً بعد آخر قدرة استثنائية على إنتاج البيانات أسرع من إنتاج السيادة نفسها.