مقدمة: زمن الكشف والنهضة من تحت الركام
​لم يعد العالم اليوم كما كان قبل السابع من أكتوبر؛ إننا نعيش في زمن الكشف الأكبر، الزمن الذي تسقط فيه الأقنعة الزائفة دفعة واحدة، وتتجلى فيه الحقائق عارية بلا رتوش. إن ما يحدث في غزة الأبية ليس مجرد معركة عسكرية بين محتل وصاحب أرض، بل هو الزلزال الوجودي الذي ضرب أركان المنظومة العالمية المنافقة، والغربال الرباني الذي عرى الجميع بالمطلق.
​في هذا المنعطف التاريخي الناري، انقسم العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فسطاط الحق والمقاومة والتمسك بالأرض، وفسطاط الخنوع والتواطؤ والتطبيع. إنها البداية الحقيقية لنهضة أمة تستعيد وعيها المغيب، بعد أن كشفت دماء الشهداء وعذابات الثكالى في غزة كل العورات السياسية والدينية التي تخفت خلفها عروش الخيانة وعمائم السلطان لعقود طويلة.
​أولاً: سقوط الكهنوت المزيف.. من “مشايخ السنة” إلى “مشايخ السلطة”
​التبعية للمحور الغربي: إن هذه السلطات الخانعة الخاضعة لم تعد تملك من أمرها شيئاً، بل أصبحت رهينة بالكامل ومرتبطة بـ المحور الأمريكي البريطاني، تنفذ أجنداته لحماية كراسيها ولو كان الثمن دماء الأطفال وأشلاء النساء في فلسطين.
​الخيانة الفقهية: عندما صمت هؤلاء الأدعياء عن نصرة غزة، بل وخرجوا ليثبطوا الهمم ويحرموا التضامن، أعلنوا شهادة وفاة مصداقيتهم، لتشرق من جديد أصوات نهضوية حقيقية تقودها الشعوب الحرة التي لا ترى في الدين إلا عزة وكرامة ومقاومة.
​”إن العمامة التي لا تنتفض لدماء الأطفال في غزة، هي خِرقَة بالية تُستخدم لتلميع أحذية السلاطين، ولا تمت لدين محمد بن عبد الله بصلة.”

​ثانياً: 78 عاماً من الدم الصهيوني واستبدال الأرض

​كيف يمكن لعاقل، أو لمن يملك ذرة من الشرف، أن يتحدث عن “سلام” مع كيانٍ قام على أشلاء الأبرياء؟ إن العالم بأكمله، وبفعل الصمود الأسطوري في غزة، عرف اليوم حقيقة ما تسمى “إسرائيل”. هذا الكيان ليس دولة طبيعية، بل هو بؤرة إرهابية استيطانية تأسست على مدار 78 سنة في فلسطين، ذاق خلالها أهلنا في غزة، وفي الضفة الغربية، وداخل الأراضي المحتلة وفي جنوب لبنان وسوريا عام 1948، شتى أنواع المجازر والتعذيب والسياسات العنصرية الممنهجة.

​هندسة التطهير العرقي والاستيطان

​لقد قامت السياسة الصهيونية على معادلة إجرامية واضحة:
​تهجير أصحاب الأرض الأصليين: ممارسة أبشع الضغوط والجرائم لإبادة وتهجير الشعب الفلسطيني الذي ضربت جذوره في هذه الأرض لآلاف السنين.
​استيراد شذاذ الآفاق: جلب جميع المشردين من كل حدب وصوب في العالم، وإلباسهم “ثوب اليهودية”، ومنحهم الحقوق الكاملة كمستوطنين صودرت الأرض لأجلهم، ليصبح اللقلق الغريب أحق بالأرض من النسر صاحب الفضاء والوطن!
​إن هذه المظلمة التاريخية المستمرة منذ ثمانية عقود تفضح أي محاولة لتجميل وجه المحتل، وتؤكد أن هذا الكيان لا يفهم إلا لغة القوة، وأن وجوده مرتبط بالدم والخراب والتهجير القسري.

​ثالثاً: وقاحة التطبيع في زمن الإبادة الجماعية

​في الوقت الذي يرى فيه العالم بأسره أشلاء الأطفال وبكاء الأمهات في غزة، وفي الوقت الذي يقر فيه القاصي والداني بأن هذا الكيان هو تجسيد حي للنازية الجديدة، نرى أصواتاً ترتفع بكل وقاحة من أبناء جلدتنا، لتعلن بلا حياء أنها مع “التفاوض المباشر”، ومع “التوقيع والتطبيع” مع العدو الصهيوني!

​أي انحطاط أخلاقي هذا؟ وأي ارتكاس في مستنقع الدياثة السياسية؟ إن هذه الأصوات لا تمثل اختراقاً سياسياً، بل هي خيانة طعنت وعي الأمة في ظهره. إن الترويج للتطبيع في ظل تواصل المجازر هو مشاركة فعلية في سفك الدم الفلسطيني واللبناني والسوري، ومحاولة بائسة لمنح القاتل صك براءة من دم الضحية. هؤلاء المطبلون يتنكرون للتاريخ، وللجغرافيا، ولدماء الشهداء، ويستعجلون الارتماء في أحضان كيان يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام ضربات المقاومة.

​رابعاً: شبكة إبستين والمنظومة القذرة.. الوجه الآخر للتطبيع

​إن التحليل السطحي قد يرى في هؤلاء المطبعين مجرد “سياسيين مخطئين” أو “أصحاب وجهات نظر”، لكن الحقيقة الصادمة والعميقة التي كشفها زمن الفرز هذا تؤدي إلى استنتاج واحد وقطعي: إن جميع هؤلاء المطبلين المطبعين هم جزء لا يتجزأ من عصابة عالمية واحدة، وهي “عصابة إبستين” بكل وضوح.

​الترابط العضوي بين الصهيونية والجريمة المنظمة

​لقد كشفت الحقائق والوثائق ارتباط جيفري إبشتاين الوثيق بـ الموساد الإسرائيلي، حيث كانت شبكته أداة لابتزاز النخب السياسية العالمية وتطويعها لخدمة المشروع الصهيوني. ومن هنا، فإن منظومة التطبيع العربي ليست منفصلة عن هذا المستنقع الآسن، بل هم جزء عضوي من هذه المنظومة الدولية القذرة التي تضم:
​الشواذ والمتحرشين جنسياً بالأطفال: الذين سقطت إنسانيتهم وفطرتهم السليمة.
​المتاجرين بالرقيق الأبيض: الذين يحولون جسد الإنسان إلى سلعة رخيصة.
​مهربي وآكلي لحوم البشر ومروجي المخدرات: الذين يقتاتون على تدمير المجتمعات ونشر الرذيلة والفساد الأخلاقي والمالي.
إن كل من يبرر للتطبيع، أو يطبل للكيان الصهيوني، هو في الحقيقة يحمي مصالحه داخل هذه المافيا العالمية. فالصهيونية والتطبيع ليسا مجرد مواقف سياسية، بل هما انعكاس لانحلال قيمي وأخلاقي كامل. إنهم يدافعون عن إسرائيل لأنهم يدافعون عن “المنظومة” التي تستر عوراتهم، وتحمي جرائمهم، وتضمن بقاءهم في عروش الخيانة.

خاتمة: الفجر النهضوي القادم وإبادة الطابور الخامس

إن هذه المعركة، بكل ما فيها من آلام ودماء وتضحيات، هي المخاض العسير لولادة العالم الجديد. لقد أرادوا بغزة وطناً يُمحى، فجعلت غزة من عروشهم نسيأً منسياً، وعرت طابورهم الخامس من مشايخ سلطة ومثقفي ترف ومطبعين خونة.

الاستنتاج اليوم صار يقيناً: معركتنا ليست مع الصهيوني في تل أبيب فحسب، بل هي أولاً وقبل كل شيء مع عصابة إبستين الإقليمية، مع تلك الأدوات القذرة الشاذة التي تتاجر بمقدرات الأمة وكرامتها.

ولكن، ليعلم هؤلاء المطبعون والمطبلون أن قطار التاريخ قد انطلق، وأن قطار النهضة في العالمين الإسلامي والعربي الحر لن ينتظر الخوالف. إن الشعوب التي رأت دماء غزة والضفة وجنوب لبنان تصنع النصر، لن تغفر، ولن تنسى، ولن تطبع. وسيكتب التاريخ بمداد من نور أن غزة وجنوب لبنان دمرتا الكيان الصهيوني عسكرياً وأخلاقياً، ودمرت معه منظومة العار والإتجار بالبشر، ليشرق فجر الحرية والكرامة فوق كل شبر من أرض فلسطين، من نهرها إلى بحرها، وفي لبنان وفي كل شبر من هلالنا الخصيب، رغماً عن أنوف السلاطين، والعمائم المزيفة، وشبكات الدعارة السياسية العالمية.
د. نبيلة عفيف غصن