حسن بن عمارة-تونس

في ايقاع الحرب في زمن البقاء للقوي، تبقى لجغرافيا اصحاب الارض،وصواريخهم كلمة الفصل. وبكسر التوازنات القائمة سينهار اليانكي من بوابة هرمز، بعد ان قدّمت طهران اثمان باهظة. والواقع الجديد سيفرض على الجميع. لان المعركة ليست لقنبلة نووية، ولا لفتح مضيق. بل لحرب استقلال الشعوب.

هذه الحرب ليست تصعيداً تقليدياً، يمكن احتواؤه عبر ضغوط او وعود…لاننا امام معركة وجودية، حسب مدعى العدو. وأمام التحول الكبير في طبيعة القوى نفسها، حيث لم تعد القوة تُقاس بحجم التهويل لفرض الهيمنة، بل بقدرة اهل الحق على إعادة احياء شروط الاستقلال. ووسائل حريتها. لم تصمد “مذكرة التفاهم “ بين الولايات المتحدة وإيران طويلا. وهو المتوقع من الامريكي المخاتل، وعادت الضربات المتبادلة، مع عودة العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، وحصار بحري شامل. الجولة الثالثة، من الحرب خطط لها الامريكي. لتدخل بري من ثلاثة محاور،الخليج وكوردستان واذربيجان، بعد أن يتم استهداف، الرادارات، ومراكز القيادة ومخازن الذخيرة، ومنصات الصواريخ، ومواقع الطائرات المسيرة ،والزوارق السريعة، والموانيء، والمطارات وخطوط الامداد وطرق التواصل.اطلق فيها الامريكي تصريحات شديدة، متوعدا إيران بالسحق والدمار والهزيمة، لكن لم تثني هذه الضربات، قرار طهران بالتصدي لها. والتصعيد ضد المخطط الذي كشف قبل تنفيذه. واستهدفت طهران القواعد امريكية في العراق وقطر والسعودية والكويت والبحرين وسلطنة عمان وسوريا ووجهت ضربات اكثر قوة من المرات السابقة.

إيران لا تتحرك بردود عشوائية… بل تبني نموذجاً جديد في الحرب الغير متكافئة، عمل عليها لعشرات السنين. بتوجيه ضربات دقيقة… موزعة على قواعد العدو بشكل مدروس… هي رسالة لاستراتيجية القدرة على توسيع نطاق الألم دون الحاجة إلى حرب شاملة، بعد ان تآكلت فعالية منظومة دفاعه، وقبابه، واصابت العدو بضربات قاسية يتم التكتم عليها. هذه المرة، طهران مستعدة اكثر من اي وقت مضى لمواصلة الحرب، لتفرض شروطها، بعد فسحة تمكنت فيها من فتح بعض أنفاق مدنها العسكرية تحت الجبال، وحشدت اكثر من ثلاثين مليون متطوع. وتحسنت أوضاعها الاقتصادية قليلا بعد بيعها لمخزون نفطها العائم المقدر بنحو 150 مليون برميل، وضخت نحو 60 مليون برميل أخرى من آباراها، واستلمت 25 مليار دولار من اموال نفطها، واستعادت 6 مليارات دولار من أموالها المجمدة.كما تلوح طهران بتغيير عقيدتها النووية، بما يمكنها من إمتلاك سلاح نووي، وتفعيل باب المندب في جبهة اليمن، بالإضافة إلى ظهور طائرات سو 35 الروسية في أجواء طهران، وما تخفيه من مفاجأت.

وضعت هذه المعركة، دول الخليج في اختبار حقيقي، لمعنى البقاء .والاستقرار بعد ادخال الامريكي بهذا الكم الهائل من القواعد في المنطقة. وبعد الضربات على منشآت الماء، والكهرباء. لتحمل معنى أخطر من أي استهداف عسكري. بفهم ضرر التحالفات لحساب الغير على حساب مصالح المنطقة وشعوبها. والامن للاستقرار لا يضمن مع قوى الهيمنة بل بقوة ارادة الشعوب وحجم التفافها مع حكامها.مع انهيار المرحلة الاولى، من خطة امريكا الاخيرة، علت اصوات جنرالات في البنتاجون والمخابرات … يحذرون من عملية برية ستكون هزيمتها قاسية عليهم. وستغير موازين القوى في المنطقة، كما تم فتح تحقيق لمعرفة كيف وصلت معلومات حساسة وصلت طهران. وفاجئت القوات الامريكية بتدمير قواعدها، في سوريا والأردن والعراق لم تكن معروفة. وشنت قوات كوماندوز عملية جريئة في كردستان العراق، وتمكنوا من تفجير مخازن أسلحة. ومقرات لعملاء، وتصفية عدد من قادتهم، ولوحت إيران بعمليات مماثلة، يمكن أن تطال البحرين والكويت والإمارات.

امريكا القادمة من وراء البحار، رفضت رسوم ايران.واعلنت رسومها، مع ضغوط على دول الخليج، ومطالبتهم بدفع فاتورة الحرب، التي يتوقع انها تجاوزت 300 مليار دولار، الى حد اللحظة. ومحاولة توريطهم بدخول الحرب معها. ايران لن تسمح بهذا لانها تريد تأمين مداخيل اقتصادية. لترميم اقتصادها المنهك. وتعويض خسائر الحرب المفروضة عليها. وتدرك جيدا، ان كلام الامريكي لا يعتّد به. ومتى ما شاء ينقلب عليه. تريد طهران ان تؤمن مصدرا ثابت، وقانوني ومضيق هرمز بواقعه الجديد احسن مصدر لطهران.

‏اما الداخل الأمريكي فنتائج هذه الحرب على اقتصاد مضغوط. والدين الكبير ،يضع ترامب مع الانتخابات القادمة تحت مصقلة وعوده، الانتخابية السابقة، ونتائج حربه القائمة، مع فقدان المصداقية للرواية الرسمية. لتصبح القرارات الخارجية مرتبطة بحسابات متقلبة جدا، وتنعكس بشكل مباشر على استراتيجية الردع الامريكي.‏‏

مشكلة الادارة الامريكية اصبحت كيف تنتهي الحرب، مع غياب تصور حقيقي لها..وما نشهده من فوضى على مستوى النظام الدولي، سيحدد الإيقاع لتوازنات المستقبل. وإيران لا تبحث عن نصر تقليدي..بل عن تثبيت معادلة جديدة بإخراج الامريكي من المنطقة، وهذا النمط لم يتعود عليه الامريكي.وزير الطاقة الأمريكي أعرب عن أمله في تجاوب إيران لحل دبلوماسي، وهناك اتصالات كثيرة لإقناع إيران بالعودة إلى المفاوضات، لكنها حتى الآن غير موافقة.

اسعار النفط قفزت. وشركات التأمين في لندن وغيرها تدرك جيدا. أن بوليصة التأمين ضد مخاطر الحرب لا تُقيّم بالنظام القانوني فقط، بل بالمخاطر. وهذا ما جرت عليه العادة في الازمات.وقدرة تخفيف المخاطر بيد ايران بغض النظر عن أي تسوية ممكنة. وقبل اي مفاوضات يمكن الكلام فيها من جديد اصبح البناء على المعطى الاول مفتاح اساسي للثاني.

في كل الأحوال، سواء استمرت الحرب أو عادت المفاوضات، فإن المنطقة قد تغيرت، وواقع هرمز اصبح ايراني بامتياز، والتنسيق في هذه الحرب يتم على اعلى مستوى، ومباشر بين قائد الثورة الجديد، والقيادة الروسية والصينية لبلورة مخرجات للازمة.

في التسوية الممكنة تريد ايران فرض دورٌ رسمي، واعتراف دولي بالواقع الجديدفي التسوية الممكنة، تريد ايران فرض دورٌ رسمي، واعتراف دولي بالواقع الجديد في مضيق هرمز. وقبل اي مفاوضات والكلام فيها من جديد يجب توفير شروط الاولى، للكلام في المرحة الثانية.

السؤال الاخير مع استمرار المعارك هل ستدرك امريكا أن فتح مضيق هرمز بالقوة يكاد يكون مستحيلا. ولن تتحمل أزمة الطاقة القادمة. وستزداد حدّة كلما امتد أمد الحرب؟ وعدم إعتراف بالهزيمة هل سيدفعها إلى توسيع نطاق الحرب. واستعمال النووي النظيف حسب ادعاء معتوه البيت الابيض ترامب وربيبه النتن ياهو ؟