ليست دمشق مجرد مدينة عابرة في الجغرافيا، ولا مجرد عاصمة سياسية لكيان حديث الولادة، بل هي ذاكرة حضارية متراكمة عبر آلاف السنين، مدينة صهرت المذاهب والأديان والقوميات والثقافات في نسيج اجتماعي ظلّ، رغم الحروب والغزوات والانقلابات، قادراً على حماية جوهرها التاريخي القائم على التعدد والتعايش. ولذلك فإن أي محاولة لتحويل دمشق إلى ساحة استعراض أيديولوجي متشدد ليست مجرد حادثة عابرة، بل اعتداء مباشر على هوية المدينة وروحها التاريخية.
البيان الصادر عن “حركة فجر دمشق” لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف سياسي ضد سلطة الجولاني في سوريا الشام، بل بوصفه صرخة تحذير من انزلاق خطير يهدد البنية المجتمعية السورية برمتها. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مشاهد الرايات والشعارات المتشددة التي غزت بعض الشوارع تحت غطاء الاحتفال الديني، بل في المشروع الكامن خلفها: مشروع إعادة تشكيل المجتمع السوري وفق منطق الإقصاء العقائدي والهيمنة الأيديولوجية.
إن أخطر ما يحدث اليوم هو محاولة تسييس الدين وتحويل الشعائر إلى أدوات استعراض للقوة الرمزية. فحين تتحول المناسبات الدينية إلى منصات لبث رسائل سياسية تحمل مضامين استفزازية لبقية مكوّنات الشعب السوري، فإن الأمر يتجاوز حدود التدين الشعبي الطبيعي ليدخل في إطار هندسة الانقسام الأهلي. هنا لا يعود الحديث عن حرية دينية أو ممارسة شعائر، بل عن استخدام المقدّس كأداة تعبئة وصدام وإعادة فرز للمجتمع على أسس طائفية ومذهبية.
دمشق التي احتضنت عبر تاريخها الكنيسة إلى جانب المسجد، والسوق إلى جانب الزاوية، والعربي إلى جانب الكردي والأرمني والسرياني والشركسي، لا يمكن اختزالها اليوم في مشهد أحادي اللون والصوت. فالتنوع لم يكن تفصيلاً هامشياً في تكوين المدينة، بل كان جوهر قوتها الحضارية. وكل سلطة تحاول سحق هذا التنوع تحت شعارات أيديولوجية متطرفة إنما تدفع دمشق نحو نموذج مدن الحروب الأهلية والانقسامات الدموية.
ومن هنا تأتي خطورة ما أشار إليه البيان حول ازدواجية سلطة الجولاني. فالمشكلة ليست فقط في السماح بهذه الاستعراضات، بل في طبيعة الانتقائية السياسية والأمنية التي تحكم المشهد. إذ بينما تُقمع أي تظاهرة مدنية أو حراك سياسي لا ينسجم مع خطاب السلطة، يجري التساهل مع مظاهر التشدد، بل توفير البيئة المناسبة لتمدّدها. وهذه ليست مصادفة، بل تعكس طبيعة السلطة نفسها، التي تدرك أن بقاءها مرتبط بإدامة حالة الانقسام والخوف والتعبئة العقائدية.
لكن ما يحدث في دمشق اليوم يتجاوز حتى الحسابات السلطوية الضيقة، لأنه يفتح الباب أمام تشويه عميق للهوية السورية نفسها. فحين يُدفع الناس إلى تعريف أنفسهم انطلاقاً من الانتماءات الطائفية والمذهبية بدلاً من الانتماء الوطني والحضاري، يصبح المجتمع كله مشروع حرب مؤجلة. وهذا بالضبط ما حذّر منه بيان “فجر دمشق”: الاحتقان الطائفي الذي سيدفع الجميع ثمنه دون استثناء.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الشام اليوم ليس فقط الفقر أو الدمار أو الانقسام السياسي، بل انهيار الثقة بين مكوّنات الشعب السوري. لأن إعادة بناء الحجر ممكنة، أما إعادة بناء النسيج الاجتماعي بعد تمزيقه فهي معركة طويلة ومؤلمة. وكل خطاب تحريضي أو استعراض استفزازي أو صمت سلطوي متواطئ يضيف طبقة جديدة من الكراهية والخوف المتبادل داخل المجتمع.
ومع ذلك، فإن البيان يحمل أيضاً بُعداً نهضوياً مهماً يتمثل في دعوته إلى الوقوف صفاً واحداً دفاعاً عن روح دمشق. فالمعركة الحقيقية ليست بين طائفة وأخرى، ولا بين متدينين وعلمانيين، بل بين مشروعين متناقضين: مشروع يريد دمشق مدينة مفتوحة لجميع أبنائها، ومشروع يريد تحويلها إلى ساحة مغلقة تحكمها العصبيات والتطرف والاستقواء العقائدي.
إن الدفاع عن دمشق اليوم ليس دفاعاً عن مدينة فحسب، بل عن فكرة حضارية كاملة. دفاع عن حق السوريين، بكل مكوّناتهم، في العيش داخل وطن لا يُختزل براية متشددة أو خطاب كراهية أو سلطة إرهابية. دفاع عن تاريخ طويل من التعدد في مواجهة محاولات تحويل المجتمع إلى قطيع أيديولوجي خائف وممزق.
لقد نجت دمشق عبر تاريخها من الغزاة والإمبراطوريات والحروب، لأنها كانت دائماً أكبر من مشاريع التعصب والانغلاق. وما تحتاجه اليوم ليس المزيد من الاستعراضات الطائفية ولا المزيد من الشعارات المتشددة، بل مشروع وطني نهضوي يعيد الاعتبار للإنسان السوري بوصفه شريكاً في الوطن لا خصماً وجودياً.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ برفض التطبيع مع خطاب الكراهية، ورفض تحويل الدين إلى أداة سياسية، ورفض صمت السلطات أمام مظاهر التطرف التي تهدد مستقبل سوريا الشام بأكملها. فدمشق ليست مدينة للكراهية، ولن تكون يوماً رهينة مشاريع الظلام، مهما ارتفعت الرايات ومهما اشتد ضجيج المتطرفين.
د. نبيلة عفيف غصن