حوار الهوية والجدال البيزنطي
سامي سماحة
يحكى ان معاوية قال يوما : أيها الناس إن الله حبا قريشا بثلاث :وأنذر عشيرتك الأقربين وانه لذكر لك ولقومك ، لإيلاف قريش . فأجابه رجل من الأنصار بثلاثة : وكذّبه قومك وهو الحق ، ولما ضُرب ابن مريم مثلا إذا قومُك منه يصدّون .وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا، ثلاثة بثلاثة وإن زدتنا زدناك .
نحن الآن امام مبارزة بين أنصار الهوية اللبنانية وأنصار الهوية السورية لأدباء الرابطة القلمية ، ويستميت جماعة الهوية اللبنانية في الدفاع عن نظريتهم ويتصرفون وكأنهم يخوضون معركة وجودية فيستحضرون جميع المستندات الواردة في الكتب دون الرجوع الى زمان ومكان ومناسبة كتابتها ، المهم ورود كلمة لبنان في العنوان او في بيت من أبيات القصيدة .
الوطن في القصيدة ليس كالوطن في علم الاجتماع وعلم السياسة والسرديات التاريخية ، قد يكون الوطن في القصيدة القرية او المدينة ، الساحل او الجبل ، الحديقة الغنّاء او بساتين العطاء ،قد يكون الوطن الحبية او الام بينما الوطن في علم الاجتماع هو البيئة الطبيعية التي تنشأ فيها الامة ، وفي علم السياسة نجد مجموعة من الأوطان لكل اتجاه سياسي وطنه ، وفي التاريخ يكون الوطن في التفاعل والاحداث التي تؤكد المصير الواحد ولا يكون حسب الميول والرغبات فوطن المطران الدبس لا يشبه وطن جواد بولس ووطن بطرس البستاني لا يشبه وطن مي المر ويوسف السودا وسعيد عقل .
ولأننا اخرجنا معنى الوطن من علم الاجتماع ومن الحقائق التاريخية والسياسة التي تقوم على الاجتماع والبسناه أثواب الميول والرغبات كان خلافنا عليه خارج فعل العقل وملأنا صفحات التواصل الاجتماعي والمجلات بمقالات حوارية على نسق الجدال البيزنطي .
ليس مهما ان تراجعت نيويورك او لم تتراجع المهم ماذا فعل الحدث في لبنان ؟.
كان يمكن للحدث ان يكون فرصة للجميع لو عاد الجميع الى العقل وخاضوا تجربة حوار جديد يهدف كشف الحقيقة . لكن ما حدث مثّل الصورة الحقيقية للصراع القائم في البلد . اندفاع في الاحتجاج دون سوق المبررات ،واحتجاج على الاحتجاج دون الارتكاز على قواعد تحديد الوطن والأمة واكتساب الهوية القومية . طبعا يوجد بعض الردود التي أسقطت الاحتجاج على اللوحة بأدلة من التاريخ وعلم الاجتماع .
الملفت للنظر ان الاحتجاج جاء من طائفة واحدة ان على المستوى الحكومي او على مستوى المثقفين او على مستوى عامة الناس ، والملفت اكثر ان الاحتجاج لم يلق تأييدا شعبيا ظاهرا وهذا ما أفشل خطة المحتجين القاضية باستغلال المناسبة للترويج لمشروع التقسيم الذي تحدث عنه طوم حرب وشارل جبور ووزير الخارجية يوسف رجي .
أظهر الاحتجاج كأن الهوية اللبنانية محصورة بطائفة واحدة أخذت على عاتقها تحديدها وتحديد مكان وجودها في لبنان الصغير الذي هو جزء من جبل لبنان ولبنان الشمالي والذي بدأ مع القائمقامية المسيحية .
لا يجوز ان يكون الحوار على قاعدة ثلاثة بثلاثة وان زدتنا زدناك ـ بل يجب ان يكون على قاعدة تعالوا الى كلمة سواء تجمعنا في امة واحدة ووطن واحد دون خلاف على الهوية .
ان الاحتجاج على هوية أدباء الرابطة القلمية يفرض مناقشة موضوع الانتماء والهوية ولا يتطلب احتجاجا يشبه الاحتجاج .
في 21ايار 2026