شكلت التسريبات الأخيرة التي أطلقها الإعلامي الإسرائيلي شمعون ريكلن حول خطة كوماندوز “أمريكية-إسرائيلية” مشتركة لاقتحام منشأة أصفهان النووية، واستخراج اليورانيوم المخصب منها، صدمة في الأوساط الاستخباراتية. ورغم أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية سارعت إلى فرض تعتيم كامل وحذف الحلقة، إلا أن طبيعة المعطيات المنشورة تفتح الباب أمام تحليل عسكري واستراتيجي معمق حول مدى واقعية مثل هذه العملية، وتداعيات طرحها في العلن.
يقدم هذا المقال تحليلاً بنيوياً لطبيعة العملية المفترضة، والعوائق اللوجستية التي تواجهها، والأهداف الكامنة وراء تسريبها.
1. تشريح منشأة أصفهان: لماذا هي الهدف الأقل حماية عمودياً؟
تضم أصفهان “مركز تكنولوجيا الطاقة النووية” (ENTC)، وهو أحد أكبر المجمعات البحثية والإنتاجية في إيران، ويحتوي على مصنع لإنتاج لوحات الوقود وتحويل اليورانيوم (UCF).
تكمن الخلفية التقنية لكلام ريكلن بأن المواد “ليست مدفونة بعمق كبير” في مقارنة أصفهان بمنشآت أخرى:
منشأة فوردو: محصنة في عمق جبل صخري تحت مئات الأمتار من الخرسانة، مما يجعل اختراقها بواسطة قوات برية أو حتى قنابل خرق التحصينات أمراً شبه مستحيل.
منشأة أصفهان: رغم تحصينها الأرضي والدفاعي الجوي الهائل، إلا أن أجزاء واسعة من خطوط المعالجة ومستودعات التخزين فيها تعتمد على بنية فوق أرضية أو شبه أرضية (Cut-and-cover)، مما يجعلها عسكرياً “أسهل نسبياً” للاستهداف المباشر مقارنة بفوردو، إذا ما تم تدمير الطوق الدفاعي الخارجي.
2. العوائق اللوجستية والعملياتية: تحديات الكوماندوز المشترك
رغم التبسيط الإعلامي الذي ظهر في التسريب، فإن تنفيذ عملية أبرار جوي (Airborne Operational) واقتحام لمنشأة نووية في عمق الجغرافيا الإيرانية يواجه تعقيدات عسكرية غير مسبوقة:
الاختراق الجوي والمسافة: تقع أصفهان في وسط إيران، على بعد أكثر من 1200 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية. يتطلب وصول قوات الكوماندوز عبر مروحيات أو طائرات نقل عسكرية اختراقاً كاملاً لمنظومات الرادار والدفاع الجوي الإيراني (مثل إس-300 وباور-373)، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا بغطاء ناري جوي كاسح يشل الطيران الإيراني تماماً.
معضلة الوقت والوزن (استخراج اليورانيوم): عملية “استخراج اليورانيوم المخصب” ليست كسرقة وثائق أو أرشيف (كما حدث في عملية الموساد بطهران عام 2018). اليورانيوم المخصب، وسادس فلوريد اليورانيوم (UF6)، هي مواد ثقيلة، سامة، وخطيرة إشعاعياً، وتتطلب حاويات رصاصية خاصة للنقل. اقتحام المنشأة، تحديد موقع المخزون، تحميله، والانسحاب به يتطلب وقتاً عملياتياً طويلاً في بيئة معادية، مما يحول العملية إلى الانتحار العسكري ما لم تكن هناك سيطرة مطلقة على الأرض والجو لعدة ساعات.
3. الشراكة الأمريكية-الإسرائيلية: واقع أم إقحام سياسي؟
إقحام اسم “قوات الكوماندوز الأمريكية” (مثل Delta Force أو Navy SEALs) في التسريب يحمل دلالتين متناقضتين:
من الناحية العسكرية: إسرائيل لا تمتلك بمفردها القدرة اللوجستية على إدارة عملية أبرار بري بهذا الحجم في عمق إيران والانسحاب الآمن منه. هي بحاجة ماسة للمظلة الأمريكية، سواء عبر تزويد الوقود جواً، أو استخدام القواعد الأمريكية في المنطقة، أو تشغيل منظومات الحرب الإلكترونية والإنقاذ القتالي (CSAR).
من الناحية السياسية: قد يكون هذا الإقحام مناورة من الجناح اليميني الإسرائيلي لربط واشنطن مسبقاً بالخيار العسكري الصادم، أو إرسال رسالة ضغط إلى الإدارة الأمريكية لتبني سياق أكثر هجومية ضد البرنامج النووي الإيراني.
4. أبعاد التسريب: ردع استراتيجي أم حرب نفسية؟
إذا تجاوزنا فرضية “الاستهتار الإعلامي”، فإن طرح تفاصيل هذه العملية يخدم سياق “الحرب النفسية” ومعادلة الردع:
رسالة إلى طهران: مفادها أن بنك الأهداف الإسرائيلي-الأمريكي لم يعد يقتصر على القصف الجوي من بعيد، بل يمتلك خططاً عملياتية جريئة تتضمن السيطرة على المواد النووية وحرمان إيران منها في عقر دارها.
طمأنة الداخل الإسرائيلي: تأتي هذه التسريبات في بيئة يسودها القلق من تنامي قدرات إيران النووية، وعجز الضربات الجوية التقليدية عن تدمير البرنامج بالكامل، لتسويق فكرة وجود “حلول سحرية وخلاقة” لدى أجهزة الأمن.
خاتمة
تظل خطة اقتحام منشأة أصفهان عسكرياً أقرب إلى “الخطط الطارئة” (Contingency Plans) التي تضعها الجيوش لأسوأ السيناريوهات، وليست خطة قابلة للتنفيذ الفوري دون اندلاع حرب إقليمية شاملة مدمرة. لكن خطورة تسريبها على لسان إعلامي مقرب من صناع القرار تكمن في أنها نقلت النقاش حول الخيار العسكري من أروقة هيئات الأركان المغلقة إلى العلن، محولةً تكتيكاً استخباراتياً بالغ السرية إلى أداة في صراع الرسائل الإقليمية الحارق.
د. نبيلة عفيف غصن
