لطالما كان لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وتحولت “الاغتيالات السياسية” فيه إلى أداة رئيسية لإعادة ترتيب المشهد، أو نقل البلاد من ضفة تموضع استراتيجي إلى أخرى. ومع تصاعد حدة الاستقطاب في المنطقة، يبرز التساؤل الملحّ مجدداً: هل تشهد الساحة اللبنانية جولة جديدة من “الهندسة السياسية بالدم”؟ وهل يمكن أن تلجأ القوى والمشاريع الدولية إلى التضحية بشخصية مسيحية وازنة لتحقيق مآربها، على غرار ما جرى في محطات تاريخية سابقة؟
​أولاً: “تقاطع المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى” في الشرق الأوسط 
​في العلوم السياسية، تتحرك الأحداث عبر مراكز قوى دولية وإقليمية (أجهزة استخبارات كبرى، كارتيلات صناعية، ومراكز تخطيط استراتيجي) تتلاقى مصالحها عند أهداف محددة. في سياق الشرق الأوسط، يتم التعامل مع الشخصيات السياسية البارزة وفق منطق “الجدوى والمصلحة”:
​أدوات الضغط والتغيير: عندما تصبح شخصية ما عائقاً أمام مشروع إقليمي كبير، أو حين يصبح “غيابها” محفزاً أقوى لإحداث الفوضى المطلوبة لإعادة التشكيل، تتحول تلقائياً إلى هدف تصفية محتمل.
​إدارة الفراغ: القوى الدولية لا تصنع دائماً الحدث من الصفر، لكنها تمتلك “خطط طوارئ جاهزة” (Contingency Plans) لاستغلال أي اهتزاز أمني، وتوظيفه لفرض عقوبات، أو تغيير موازين القوى، أو تعديل القرار السياسي للدول.
​ثانياً: استهداف المكون المسيحي أو السني وسيناريو “الصدمة الأمنية”
.١ أبعاد استهداف الرموز والسيناريوهات المحتملة (مسيحياً وسنّياً)
​إن فرضية استهداف شخصية محورية في هذا التوقيت لا تنطلق من فراغ، بل من قراءة لطبيعة التركيبة اللبنانية والوزن الدولي لبعض الشخصيات، حيث تتخذ هندسة الفتنة مسارين محتملين:
​السيناريو المسيحي (ضرب بيضة القبان): يمثل المكون المسيحي تاريخياً صمام أمان في التوازنات التعددية. واستهداف رمز مسيحي كبير يُعد الطريقة الأسرع لإحداث صدمة أمنية ونفسية تهدف إلى ضرب قنوات التواصل والتحالفات بين المكونات اللبنانية (تحديداً بين المسيحيين والشيعة)، ودفع الشارع نحو الانعزال والخوف.
​السيناريو السنّي واستحقاق المحافل الدولية (نموذج نواف سلام): إن إدراج شخصية سنّية وازنة بحجم القاضي نواف سلام—رئيس محكمة العدل الدولية—في دائرة الخطر، يمثل نقلة نوعية في التوظيف الاستراتيجي. واستهداف شخصية بهذا الوزن يحقق أهدافاً مزدوجة:
​داخلياً: إعادة إحياء جرح اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، واستثارة الشارع السنّي مباشرة لإعادة خلط الأوراق وصناعة صدام مذهبي مباشر.
​دولياً: ضرب رمزية أعلى سلطة قضائية في العالم في وقت تخوض فيه هذه المحكمة ملفات بالغة الحساسية تخص الصراع العربي-الإسرائيلي، مما يوجه رسالة ترهيب دولية عابرة للحدود، ويخلق فوضى قانونية وسياسية شاملة.
.2 ​تطور أدوات التنفيذ: مع دخول التكنولوجيا العسكرية الحديثة وسلاح “المُسيّرات” وشبكات التجسس الرقمي كأدوات اغتيال دقيقة، أصبح بإمكان أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية (وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي) تنفيذ عمليات معقدة عن بُعد ودون ترك بصمات واضحة، مما يسهّل توجيه أصابع الاتهام نحو الداخل لإشعال الفتنة.
​ثالثاً: المقارنة التاريخية مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري (2005)
​المقارنة بين أي سيناريو اغتيال مرتقب واغتيال الرئيس رفيق الحريري هي مقارنة موضوعية من حيث النتائج المتوخاة والتوظيف السياسي، وتتضح هذه المقارنة من خلال النقاط المتقاطعة التالية:
​الهدف المباشر: في حالة اغتيال رفيق الحريري (2005)، كان الهدف هو إنهاء الوجود العسكري والسياسي السوري في لبنان كلياً. أما في السيناريو المحتمل (استهداف شخصية مسيحية)، فإن الهدف يتركز حول عزل قوى المقاومة (حزب الله) وطنياً وبيئياً، وشل جبهة الإسناد الداخلية عبر خلق عدو محلي بديل.
​النتيجة الجيوسياسية: أدى اغتيال الحريري إلى تدويل الأزمة اللبنانية مباشرة عبر القرار 1559 وإنشاء المحكمة الدولية. وفي المقابل، فإن استهداف رمز مسيحي اليوم قد يدفع البلاد نحو فدرالية أمر واقع، أو يفرض وصاية دولية جديدة على المرافق الحيوية والحدود تحت ذريعة حماية الأقليات وعجز الدولة.
​التوظيف الاستراتيجي: نجح اغتيال الحريري في نقل لبنان من المحور الإقليمي (السوري-الإيراني) إلى المحور الغربي والعربي (آنذاك). أما السيناريو الحالي، فيستهدف تفكيك الجبهة الداخلية اللبنانية وإدخالها في حرب أهلية باردة لإضعافها بالكامل في مواجهة المشاريع الإقليمية وإسرائيل.
​رابعاً: هل تضحي القوى الدولية بحلفائها؟
​يُثبت التاريخ السياسي أن العلاقات الدولية لا تحكمها “العواطف” أو “التحالفات الأبدية”، بل تحكمها لغة الأرقام والمصالح. إذا تقاطعت مشاريع “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” (والتي تتطلب إضعاف الدول المركزية وتفتيتها إلى كانتونات متناحرة) مع غياب شخصية وازنة، فإن تلك القوى لن تتردد في رفع الغطاء أو حتى تسهيل التخلص منها، شريطة أن يكون الخصم المحلي جاهزاً ليلبس التهمة في الشارع فوراً.
​خلاصة
إن التحذير من سيناريوهات الاغتيال في لبنان ليس مجرد هواجس، بل هو قراءة في سلوك تاريخي متكرر للقوى الاستعمارية والإقليمية. حماية الساحة اللبنانية اليوم من “مهندسي الدم” لا تتم عبر انتظار التحقيقات أو الرهان على التطمينات الخارجية، بل عبر رفع مستوى الوعي السياسي الداخلي، والوقوف على حقيقة ثابتة: الضحية في لبنان لا تُختار لشخصها أو لموقفها فحسب، بل بناءً على حجم الفوضى والثمن السياسي الذي سيُقبض بعد رحيلها.
د. نبيلة عفيف غصن