مقدمة
​لم يكن المشروع الصهيوني في جوهره مجرد عملية قضم للجغرافيا واقتلاع للديمغرافيا الفلسطينية، بل كان، ولا يزال، مشروعاً تفكيكياً يستهدف بنية الوعي الجمعي وسلخ المكونات الحضارية للمنطقة عن سياقها التاريخي. إن نهوض الأمة من كبواتها التاريخية المشوهة يفرض بالضرورة خوض معركة الوعي المعرفي؛ معركة تفكك أدوات المستعمر وتكشف عورات سياساته الإقصائية التي حاولت تحويل الفسيفساء المشرقية التعددية إلى جزر طائفية معزولة ومتحاربة.
​ضمن هذا السياق المعرفي التحرري، تمثل حالة “الطائفة الدرزية” في فلسطين المحتلة المختبر الأكثر وضوحاً وجرأة لسياسات “الهندسة الهوياتية” الصهيونية. فلم تكن سياسة “فرّق تسد” مجرد شعار عابر، بل تحولت عقب نكبة عام 1948 إلى استراتيجية بنيوية ومؤسساتية عكفت من خلالها الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية على عزل هذا المكون الأصيل عن امتداده الفلسطيني والعربي. ويهدف هذا المقال الأكاديمي التحليلي إلى تفكيك هذه الآليات الاستعمارية، وتبيان كيف تم تحويل هذا المجتمع الفلاحي المرتبط بالأرض تاريخياً من “صاحب المحراث” إلى “حامل البندقية” الوظيفية، مسلطاً الضوء على جذور صناعة التجنيد الإلزامي وأدوات بث الشقاق الأهلي، وصولاً إلى استشراف أفق النهوض والتحرر من هذه التبعية القسرية.
​أولاً: آليات التفتيت السوسيولوجي وبث الشقاق الأهلي
​قامت المقاربة الصهيونية للتعامل مع الأقلية العربية المتبقية في الداخل المحتل بعد النكبة على مبدأ التجزئة البنيوية، حيث صُنّف المجتمع الفلسطيني في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية المبكرة ككتل دينية وطائفية متنافرة لا كشعب واحد ذي حقوق قومية [1]. ولم يكن هذا التصنيف نظرياً، بل تُرجم إلى ممارسات يومية أدارتها أجهزة الاستخبارات (الشاباك) والمستشارون لشؤون العرب في مكتب رئيس الوزراء بهدف توليد بيئة من الخوف والشك المتبادل بين الدروز وأشقائهم من المسلمين والمسيحيين.
تمثلت أولى هذه الآليات في اصطناع الحساسيات الطائفية وإدارتها برعاية أمنية مباشرة، حيث عمدت السلطات الإسرائيلية إلى استخدام الطائفة كأداة للمناكفة واستفزاز المحيط الفلسطيني. وكان يتم تعمد إرسال أفراد شرطة أو جباة ضرائب من طائفة معينة لإجراء تحقيقات أو تنفيذ أوامر هدم وإخلاء في قرى تابعة لطائفة أخرى، مما يحول الصدام المباشر من مواجهة بين المواطن الفلسطيني والاحتلال إلى مواجهة أهلية بطابع طائفي ومحلي [2]. هذا الأسلوب الخبيث ساهم في نقل التناقض الأساسي من صراع مع المستعمر إلى صراعات ثانوية تستهلك طاقات المجتمع في معارك عبثية.
​تستغل الأسرلة الصهيونية حوادث الاصطدام التاريخي بين الموحدين الدروز والسلطة العثمانية لتصويرها كـ”اضطهاد ديني متأصل”، مستهدفةً عزل الطائفة عن محيطها. والحقيقة التاريخية تكشف أن الصدام الدرزي-العثماني في فلسطين ومحيطها الشامي كان صراعاً وطنيا سياسياً واقتصادياً بامتياز، تمحور حول رفض السياسات المركزية للاحتلال العثماني، والتجنيد الإجباري، والضرائب الباهظة، وليس صراعاً طائفياً دوفينياً [16].
​لقد شهدت قرى الجليل والكرمل (مثل يركا، وبيت جن، وعسفيا) مواجهات دامية وقمعاً شديداً خلال حروب أحمد باشا الجزار (والي صيدا وعكا في أواخر القرن الثامن عشر)، الذي سعى لإخضاع المقاطعات المستقلة لبطشه العسكري، مما دفع عائلات درزية فلسطينية كاملة للهجرة نحو جبل حوران [17]. كما تكرر الاصطدام في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين (حملات سامي باشا الفاروقي) بسبب رفض الدروز الصارم لـ”التجنيد الإجباري” العثماني (السفربرلك) دفاعاً عن استقلاليتهم المحلية [18].
​تكمن المفارقة المعرفية هنا في أن الصهيونية تستخدم “رفض الدروز للتجنيد العثماني قديماً” لتبرير “فرض التجنيد الإسرائيلي عليهم حديثاً”، محوّلةً تاريخاً من التمرد على السخرة المركزية إلى أداة لشرعنة السخرة الاستعمارية.
​بالتوازي مع ذلك، ركزت المنظومة الأمنية على تعزيز الوجاهة التقليدية والعائلية على حساب القوى الوطنية والشبابية الصاعدة. وجرى استقطاب بعض الزعامات التقليدية والعشائرية عبر منحها امتيازات اقتصادية وتسهيلات بيروقراطية، مقابل تبنيها لخطاب ينادي بالانعزال والخصوصية الطائفية [3]. وفي المقابل، تم قمع أي صوت درزي ناصري أو يساري أو قومي يدعو إلى التلاحم مع الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث حورب هؤلاء الشباب في أرزاقهم وفرص عملهم، وجرى عزلهم اجتماعياً لإفساح المجال كاملاً للخطاب الانعزالي الموالي للمنظومة الإسرائيلية.
​ثانياً: فبركة المناهج والسلخ التربوي (صناعة الوعي البديل)
​إذا كانت البندقية هي الأداة المادية لإخضاع المجتمع، فإن المدرسة كانت الأداة الأيديولوجية لإعادة صياغة العقل الجمعي للشباب الدروز. أدركت الدوائر الصهيونية أن بقاء الدروز ضمن منظومة التعليم الفلسطيني الشاملة سيبقي على ارتباطهم باللغة، والتاريخ، والأدب، والهوية الوطنية الجامعة؛ لذا صدر قرار حكومي حاسم عام 1976 بفصل جهاز التعليم في القرى الدرزية والشركسية تماماً عن دائرة التعليم الفلسطيني، وتأسيس “دائرة التعليم الدرزي والشركسي” التابعة مباشرة لوزارة المعارف الإسرائيلية [4].
شكل هذا الفصل بداية مرحلة من الأخطر في تاريخ الطائفة، حيث شُوهت المناهج التعليمية بوعي وسابق إصرار. وجرى حظر واقتلاع تدريس رواد الأدب والتربية الوطنية الفلسطينية والعربية، مثل محمود درويش، وتوفيق زياد، وغسان كنفاني، واستبدالها بنصوص تفبرك تاريخاً درزياً متخيلاً ومعزولاً عن امتداده الحضاري السوري والعربي الشامل [5]. ركزت هذه المناهج المصطنعة على تضخيم الروايات الشفوية لبعض النزاعات التاريخية المحلية وتحويلها إلى عداء وجودي مستدام مع المحيط السني والشيعي والمسيحي.
​علاوة على ذلك، تم إدخال مفاهيم هجينة ومصطلحات أمنية إلى صلب المناهج الدراسية، مثل مفهوم “حلف الدم” و”حلف الحياة” بين اليهود والدروز، وصياغة سردية تبريرية تدّعي أن الدروز كانوا عبر التاريخ حلفاء طبيعيين لليهود ضد محيطهم العربي [6]. تم تدريس الرواية الصهيونية لنكبة عام 1948 باعتبارها “حرب تحرير واستقلال” يُتوقع من الطالب الدرزي الاحتفال بها، في حين غُيبت تماماً مأساة الشعب الفلسطيني الذي يشكل الدروز جزءاً عضوياً من نسيجه وتاريخه وجغرافيته.
​ثالثاً: مأسسة الولاء بالقهر: قانون التجنيد الإلزامي (1956)
​تصر السردية الصهيونية الرسمية، ومقالات البروباغندا المرافقة لها، على طرح رواية تاريخية مفادها أن فرض التجنيد الإلزامي على الشباب الدروز عام 1956 جاء بناءً على طلب ورغبة عارمة من مشايخ وقادة الطائفة. إلا أن الأبحاث التاريخية المعمقة المبنية على الأرشيف والوثائق تفند هذه الأكذوبة جملة وتفصيلاً، وتكشف أن القرار اتُخذ في الغرف المظلمة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية وفُرض قسراً على المجتمع الدرزي [7].
​لقد واجه المجتمع الدرزي قانون التجنيد الإلزامي عام 1956 بمقاومة شعبية واسعة وحراك أهلي عارم قاده مشايخ وطنيون وشباب رفضوا ارتداء بزة جيش الاحتلال الإسرائيلي. وشهدت قرى مثل البقيعة، وبيت جن، والرامة، ويُركا تظاهرات حاشدة، ووقّع آلاف المواطنين على عرايض ترفض الانخراط في جيش يوجه سلاحه لصدور أبناء شعبهم [8]. لكن المنظومة الصهيونية واجهت هذا الرفض الوطني بآلة قمع حديدية؛ ففرضت حصاراً عسكرياً واقتصادياً خانقاً على القرى الرافضة، ونفذت حملات اعتقال ممنهجة طالت مئات الشباب والوجهاء، بالتوازي مع تفعيل أدوات الترهيب والترغيب لاستمالة بعض الشخصيات التقليدية التي وقعت على الاتفاقيات الأمنية تحت الضغط أو مقابل مصالح ضيقة [9].
​ارتبطت هندسة التجنيد بآلية اقتصادية بالغة الخبث تمثلت في سياسة “البندقية كبديل للمحراث”. فبالتزامن مع فرض التجنيد، نفذت السلطات الإسرائيلية أوسع عملية مصادرة للأراضي الزراعية والمشاع التابعة للقرى الدرزية لصالح إقامة المستوطنات والمحميات الطبيعية والقواعد العسكرية [10]. وبما أن المجتمع الدرزي كان مجتمعاً فلاحياً يعتمد بالكامل على الأرض والزراعة، فإن مصادرة الأرض (المحراث) أدت إلى تجفيف مصادر الرزق التاريخية واستقلاله الاقتصادي. هنا، وضعت الدولة العبرية الشاب الدرزي أمام خيارين أحلاهما مر: إما الفقر والبطالة والتهميش، أو الالتحاق بالمؤسسة العسكرية والأمنية (البندقية) بوصفها القناة الوحيدة المتاحة لتأمين لقمة العيش والاستقرار الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي المزعوم [11]. وبذلك، تحول التجنيد من واجب وطني مدعى إلى أداة قسرية لإلحاق الطائفة وظيفياً ببنية الدولة الصهيونية.
​رابعاً: التباين الهوياتي والمعرفي وإخفاق المشروع الصهيوني
​رغم العقود الطويلة من محاولات السلخ والـ”أسرلة” الممنهجة، فإن قراءة الخارطة الجيوسياسية للمنطقة تُظهر بوضوح تباينات حادة في مستويات الوعي والمعرفة بين المجتمعات الدرزية، مما يؤكد أن الهوية الأصيلة قادرة على مقاومة وتفنيد أدوات الهندسة الاستعمارية عندما تتوفر لها شروط الحصانة الوطنية.
​دروز سوريا الشام ولبنان: حافظ الموحدون الدروز في سوريا الشام ولبنان على مواقفهم القومية الراسخة. فمن ثورة سلطان باشا الأطرش ضد الاستعمار الفرنسي، إلى الانخراط الفاعل في حركات التحرر الوطني والمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ظل هذا المكون متمسكاً بهويته كجزء لا يتجزأ من محور المواجهة، رافضاً أي طرح انعزالي أو تفتيتي.
​دروز الجولان السوري المحتل: يمثل هذا المجتمع النموذج الأبرز والأكثر نصوعاً في إسقاط أدوات “الأسرلة”؛ فرغم وقوعهم تحت الاحتلال المباشر عام 1967 وضغوط فرض الجنسية والقوانين الإسرائيلية، خاض أهالي الجولان “الإضراب الكبير” الشهير عام 1982، وأصدروا “الوثيقة الوطنية” التي حرمت ديمغرافياً واجتماعياً كل من يقبل الهوية الإسرائيلية [12]. وظل دروز الجولان متمسكين بهويتهم السورية، مقدمين درساً حياً في فشل أدوات الصهيونية التربوية والأمنية في اختراق الوعي المقاوم.
​الحراكات الوطنية في الداخل الفلسطيني (الخط الأخضر): حتى داخل فلسطين المحتلة عام 1948، لم يستسلم المجتمع الدرزي بالكامل للمخطط الصهيوني. فمنذ عقود، تقود “لجنة المبادرة العربية الدرزية” (التي أسسها قادة وطنيون مثل الشيخ فرهود فرهود والشاعر سميح القاسم) معارك وعي مستمرة لتعرية المنظومة الصهيونية وتفكيك رواية “حلف الدم” [13]. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت حراكات شبابية واعدة مثل حراك “أرفض شعبك يحميك”، والتي نجحت في إعادة الاعتبار لخيار رفض الخدمة العسكرية الإلزامية، وتحمل السجن الفعلي بدلاً من الانخراط في جيش الاحتلال، مما يثبت تجدد الوعي الوطني والعودة التدريجية للحاضنة الفلسطينية الأوسع [14].
​خاتمة
​إن القراءة الأكاديمية السوسيولوجية المعمقة لتاريخ وسياسات المؤسسة الصهيونية تجاه الطائفة الدرزية تكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل لم ترَ فيهم يوماً مواطنين متساوين، بل تعاملت معهم كأداة وظيفية أمنية، وجدار عازل لتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني. وجاء “قانون القومية” العنصري ليعيد تذكير أولئك الذين انخرطوا في وهم “الأسرلة” بأنهم في نظر الفكر الصهيونية ليسوا سوى “مواطنين من الدرجة الثانية” صودرت أراضيهم، ومُنع البناء والتوسع في قراهم، واستُغلوا لحراسة منظومة تقمع أشقاءهم [15].
​لكن منطق التاريخ يؤكد أن سياسات هندسة الهويات وسلخ الشعوب هي سياسات مؤقتة ومحكوم عليها بالفشل الوجودي. إن النهوض الحقيقي ومواجهة هذا التفتيت الاستعماري لا يمر عبر مربعات “التخوين” العاطفي والسطحي، بل يمر بالضرورة عبر الفهم السوسيولوجي والسياسي والتفكيك المعرفي لآليات المستعمر. إنها دعوة نهضوية لبعث الوعي، وتأكيد الهوية الفلسطينية السورية المشرقية الجامعة، ودعم الحراكات الشبابية الرافضة للتجنيد الإلزامي، ليعود “صاحب البندقية” القسرية وكيلاً عن أمته وشعبه، ممسكاً بمحراث الأرض والحرية، شريكاً أصيلاً في صياغة فجر فلسطين والمنطقة، متحرراً من قيود التجزئة والاستعمار.
​الهوامش والمراجع
​الهوامش (Footnotes)
​[1] انظر تفاصيل المراسلات والمذكرات الأمنية المبكرة في وزارة الأقليات الإسرائيلية (1948-1949).
[2] قيس ماضي فرو، دروزي في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية، ص 88.
[3] المرجع نفسه، ص 112-115 (تحليل لآليات دعم العائلات التقليدية ضد القوى الوطنية).
[4] محضر قرار الحكومة الإسرائيلية بشأن فصل التعليم الدرزي، تشرين الأول/أكتوبر 1976.
[5] سعيد نفاع، العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية: دراسة سوسيوسياسية، ص 45.
[6] المرجع نفسه، ص 49.
[7] أوراق وأرشيف “لجنة المبادرة العربية الدرزية”، حيفا، وثائق عام 1956 وما بعدها.
[8] قيس ماضي فرو، دروزي في زمن الغفلة، ص 174.
[9] صبري جريس، العرب في إسرائيل، الجزء الأول، ص 120-123.
[10] تقرير مركز “عدالة” الحقوقي حول مصادرة أراضي القرى الدرزية في الجليل، 2018.
[11] مجلة الجديد، حيفا، مقالات متعددة للشاعر سميح القاسم حول سياسة تفريغ الأرض والتجنيد، نيسان 1978.
[12] سلمان فخر الدين، الجولان السوري المحتل: دراسات في الهوية والمقاومة، ص 67.
[13] بيان التأسيس الصادر عن لجنة المبادرة العربية الدرزية، تموز/يوليو 1972.
[14] بيانات ومطبوعات حراك “أرفض شعبك يحميك”، رام الله/حيفا، 2014-2024.
[15] قراءة تحليلية في أبعاد “قانون القومية” الإسرائيلي الصادر عام 2018 وأثره على فلسطينيي الداخل.
[16]أوراق تاريخية حول هجرات الجليل إلى حوران أواخر القرن الثامن عشر، مركز الأبحاث الفلسطيني.
[17] سعيد نفاع، العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية: دراسة سوسيوسياسية، ص 31.
[18] قيس ماضي فرو، المرجع السابق، ص 112-115.
​فرو، قيس ماضي. دروزي في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019.
​نفاع، سعيد. العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية. حيفا: دار الراية للنشر، 2011.
​فخر الدين، سلمان. المقاومة الأهلية في الجولان السوري المحتل. دمشق: دار كنعان، 2005.
​مركز عدالة الحقوقي. السياسات الأرضية والتخطيطية تجاه القرى الدرزية في الجليل. حيفا، 2019.
د. نبيلة عفيف غصن