النخب المحلية: الشريك الصامت الذي يدير العاصفة
بدايةً، لا بد من توضيح منهجي لا يقل أهمية عن المضمون نفسه: تسمية الأمور بوضوح لا تعني إطلاق اتهامات جزافية، بل تعني تحديد البُنى والوجوه ضمن أدوارها الفعلية ومسؤولياتها العامة. لذلك، فإن أي مقاربة جدية لا يمكن أن تتحول إلى لائحة اتهام شخصية دون مستند قضائي، لأن ذلك يضعف الخطاب بدل أن يقوّيه.
لكن في المقابل، الصمت عن تسمية الشبكات والمؤسسات والطبقات المتورطة هو تواطؤ بحد ذاته.
من هنا، يمكن القول بوضوح لا لبس فيه:
الأخطر من الضغط الخارجي ليس وجوده، بل القابلية الداخلية له.
ليست المشكلة في لبنان أن هناك نظاماً مالياً عالمياً يفرض شروطه، بل أن هذا النظام يجد في الداخل من يستقبله، ينظّمه، ويعيد إنتاجه. الهيمنة لا تدخل فقط عبر الإكراه، بل تُستدعى عبر مصالح متشابكة.
الطبقة السياسية اللبنانية، بمختلف تموضعاتها، لم تكن مجرد ضحية، بل كانت شريكاً وظيفياً في تثبيت هذا النموذج. لم تُفرض عليها السياسات فقط، بل ساهمت في صياغتها، ووفّرت لها الغطاء، واستفادت من نتائجها.
السلطة السياسية: إدارة الانكشاف لا منعه
منذ التسعينيات، تعاقبت حكومات بقيادة شخصيات معروفة—رفيق الحريري، فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي، سعد الحريري، تمام سلام، وصولاً إلى الحكومات اللاحقة—ضمن إطار اقتصادي شبه ثابت.
هذا الإطار قام على:
تثبيت سعر الصرف عبر تدفقات مالية خارجية
تحويل القطاع المصرفي إلى العمود الفقري للاقتصاد
هذه لم تكن خيارات تقنية بريئة، بل قرارات سياسية كبرى رسمت مسار البلد لعقود.
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة دون مواربة:
الانهيار لم يكن حادثاً مفاجئاً في 2019، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من السياسات المتراكمة.
مصرف لبنان: مركز الثقل في هندسة النموذج
في قلب هذه المنظومة، يقف مصرف لبنان كمحور أساسي.
السياسات النقدية—من تثبيت الليرة إلى الهندسات المالية إلى رفع الفوائد—لم تكن مجرد أدوات تقنية، بل آليات لإدارة نموذج قائم على الاستدانة والتدفقات.
العلاقة كانت واضحة:
المصارف تموّل هذا الدين
المصرف المركزي يدير التوازنات ويؤمّن الاستمرارية
هذه الحلقة بدت مستقرة لسنوات، لكنها في الحقيقة كانت تراكم اختلالاً بنيوياً عميقاً. وعندما انكسرت، انهار كل شيء دفعة واحدة.
المصارف الكبرى: من وسيط مالي إلى شريك في القرار
القطاع المصرفي اللبناني—بمؤسساته الكبرى مثل Bank Audi، BLOM Bank، Byblos Bank، Fransabank وغيرها—لم يكن مجرد وسيط.
لقد كان:
ممولاً رئيسياً للدين العام
مستفيداً من فوائد مرتفعة وغير مستدامة
هذا التداخل حوّل المصارف من مؤسسات مالية إلى لاعبين في صياغة السياسات نفسها.
وعندما انفجرت الأزمة، ظهر التناقض الصارخ:
قطاع راكم أرباحاً ضخمة على مدى سنوات، واجه الخسائر عبر تحميلها للمجتمع—من خلال تقييد الودائع وفرض أمر واقع مالي.
شبكات رجال الأعمال: تقاطع المصالح لا صدفة النظام
إلى جانب السلطة والمصارف، برزت شبكات رجال الأعمال المرتبطة بمراكز القرار.
هذه الشبكات لم تكن هامشية، بل شكّلت جسراً بين السياسة والاقتصاد.
في قطاعات أساسية—الاتصالات، الطاقة، العقارات، الاستيراد—تكرّس نموذج قائم على:
الامتيازات
الاحتكارات
غياب المنافسة الفعلية
وهكذا، لم يتطور اقتصاد منتج، بل اقتصاد ريعي محكوم بمصالح ضيقة.
الأحزاب: ازدواجية الخطاب والممارسة
الأحزاب اللبنانية، رغم تنوع شعاراتها، التقت عملياً عند نقطة واحدة:
عدم كسر النموذج الاقتصادي القائم.
بعضها شارك مباشرة في السلطة، بعضه وفّر الغطاء، وبعضه اختار تجاهل الملف الاقتصادي. لكن النتيجة كانت واحدة:
غياب أي مشروع سيادي اقتصادي حقيقي.
أين الخارج من كل هذا؟
في موازاة ذلك، كان الخارج حاضراً بقوة:
صندوق النقد الدولي عبر برامج “الإصلاح” المشروطة
الدول المانحة عبر ربط الدعم بشروط سياسية واقتصادية
لكن هذه القوى، مهما بلغت، لم تكن لتنجح لولا وجود قابلية داخلية للتنفيذ.
وهنا تتجلى الحقيقة المركزية بكل وضوح:
لا هيمنة خارجية دون شراكة داخلية.
الصمت كأداة حكم
أحد أخطر عناصر هذه المنظومة هو الصمت المنظّم:
تأجيل دائم للمحاسبة
تمييع متعمد للمسؤوليات
إغراق النقاش العام في تفاصيل جانبية
بهذه الآلية، لا يُدفن الفشل فقط، بل يُعاد إنتاجه.
الخلاصة: شبكة لا تُفهم إلا كاملة
ما جرى في لبنان ليس نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تفاعل ثلاثي:
نظام مالي عالمي ضاغط
مؤسسات داخلية نفّذت واستفادت
طبقة سياسية كرّست النموذج بدل تغييره
فهم هذه الشبكة كما هي—دون تبسيط أو تهويل—هو الخطوة الأولى لكسرها.
خاتمة: كسر الحلقة أو البقاء داخلها
إذا كان الخارج يفرض، فالداخل يملك قرار القبول أو الرفض.
وهنا يبدأ الفعل الحقيقي.
المواجهة لا تكون بالشعارات، بل بـ:
إعادة تعريف دور الدولة كفاعل اقتصادي لا وسيط
تفكيك تحالف السلطة مع الريع
بناء منظومة مساءلة فعلية، لا شكلية
لبنان لا تنقصه المعرفة بما حدث، بل تنقصه الإرادة لكسر الحلقة.
وعند هذه اللحظة فقط، تتحول العبارة من توصيف إلى مشروع:
لا هيمنة خارجية دون شراكة داخلية… ولا تحرر دون إنهاء هذه الشراكة.
د.نبيلة عفيف غصن
