لم يعد نقد الإقطاعيات السياسية في سورية الطبيعية قائمًا على تحليل خارجي أو قراءة معارضة فحسب، بل بات يستند إلى اعترافات صادرة من قلب هذه المنظومات نفسها. ما أدلى به وليد جنبلاط في مقابلته الأخيرة ليس تفصيلًا عابرًا، بل مادة كاشفة تضع نموذجًا حيًا أمامنا: كيف تعمل هذه الإقطاعيات، كيف تفكّر، وكيف تُعيد إنتاج نفسها عبر الدين والسياسة والتاريخ.
هذه الاعترافات، حين توضع في سياقها الأوسع، لا تُدين فردًا بقدر ما تُعرّي بنية كاملة حكمت المجتمع لعقود، ونجحت في تحويل الطوائف إلى أدوات، والقضايا إلى أوراق، والوطن إلى ساحة تصفية حسابات.
الزعامة المصنوعة: من قرار خارجي إلى إرث داخلي
حين يتغنّى جنبلاط بالسلطنة العثمانية ويقدّمها كعامل “توحيد”، فهو – بقصد أو دون قصد – يعيد فتح ملف نشأة الزعامات في جبل لبنان وسورية الطبيعية. فهذه السلطنة لم تكن مجرد مظلة سياسية، بل كانت جهة فاعلة في تركيب القيادات المحلية بما يخدم استقرار نفوذها.
الروايات التي تتحدث عن أصول الزعامة الجنبلاطية وعلاقتها بالسياق العثماني، تلتقي مع نمط أوسع: زعامات لم تنشأ من تعاقد وطني حر، بل من توازنات فرضتها قوى خارجية. وهذا ما يفسّر قابلية هذه الزعامات لاحقًا للارتهان، ولإعادة التموضع وفق المصالح الإقليمية، حتى لو تعارض ذلك مع مصلحة المجتمع الذي تدّعي تمثيله.
أخطر ما في اعترافات جنبلاط ليس بعدها الشخصي، بل دلالتها السياسية. حين يقرّ بأن زواج والده كان زواجًا سياسيًا، هدفه تثبيت النفوذ بين عائلتين متنافستين، فإنه يقدّم مثالًا صارخًا على كيفية إدارة السلطة داخل هذه الإقطاعيات.
العائلة هنا لا تُبنى على روابط اجتماعية طبيعية، بل تُصاغ كأداة في معركة الزعامة. وحين يؤكد أن والدته – التي بقيت على انتمائها الديني – أدارت شؤون المختارة لعقود طويلة، فإننا أمام نموذج واضح: السلطة ليست تمثيلًا جماعيًا، بل إدارة مغلقة تُحدَّد فيها الأدوار وفق المصلحة.
هذا النمط يفسّر الكثير من التناقضات في الخطاب، ومنها الانتقال بين دعوات دينية وهوياتية متبدلة، بحسب ما يخدم بقاء الزعامة لا استقرار المجتمع.
الأمن والسياسة: التستّر كجزء من المنظومة
لسنا هنا أمام حادثة معزولة، بل أمام نمط: الزعيم المحلي يتحوّل إلى حلقة وصل، أو نقطة عبور، في شبكة أوسع من المصالح. الأخطر أن هذه الأدوار تُقدَّم لاحقًا كجزء من “الحنكة السياسية”، بينما هي في جوهرها تعبير عن غياب مشروع وطني مستقل.
القضايا الكبرى كأدوات: فلسطين في ميزان المصالح
الاعتراف بأن العلاقة مع الفصائل الفلسطينية كانت تهدف إلى تعديل موازين القوى داخل لبنان، يقدّم مثالًا واضحًا على كيفية استخدام القضايا الكبرى كأوراق داخلية. هنا تتحول قضية بحجم القضية الفلسطينية من مسألة مبدئية إلى عنصر في لعبة السلطة.
هذا النموذج لا يخص حالة واحدة، بل يعكس سلوكًا أوسع لدى الإقطاعيات السياسية: كل ما يمكن أن يعزّز الموقع الداخلي يُستخدم، بغض النظر عن الكلفة أو النتائج. وهكذا، تُستنزف القضايا، وتفقد معناها، وتتحول إلى أدوات ظرفية.
الدين كوسيلة ضبط: بين الهوية والتذويب
في سياق حديثه، يقدّم جنبلاط إشارات تتعلق بالهوية الدينية، سواء من خلال الإشارة إلى خلفية والدته، أو عبر مواقف لاحقة تتعلق بدعوات دينية عامة. هذه التناقضات ليست عفوية، بل تعبّر عن استخدام مرن للدين كأداة سياسية.
الإقطاعيات، في هذا الإطار، لا تسعى إلى حماية الإيمان بقدر ما تسعى إلى توظيفه. يتم تضخيم الهوية حين يخدم ذلك الحشد، ويتم تمييعها حين يخدم ذلك الاندماج في سياق أوسع. النتيجة هي إرباك مستمر في الوعي الجماعي، وفقدان البوصلة.
الارتهان والتبعية: من الداخل إلى الخارج
ما تكشفه هذه الاعترافات يتقاطع مع سمة أساسية: غياب الاستقلالية. الزعامة التي تنشأ في ظل توازنات خارجية، وتدير علاقاتها عبر شبكات إقليمية، تجد نفسها دائمًا مضطرة لمواءمة مواقفها مع تلك الشبكات.
هذا ما يفسّر التقلّبات الحادة في الخطاب السياسي، والانتقال السريع بين تحالفات متناقضة. في الظاهر، يُقدَّم ذلك كمرونة، لكن في الجوهر هو تعبير عن تبعية بنيوية.
المجتمع كرهينة: نتائج نموذج الإقطاع
ما قيل في المقابلة لم يعد ملكًا لصاحبه، بل أصبح جزءًا من النقاش العام. الاعتراف، بحد ذاته، لا يكفي. قيمته الحقيقية تكمن في ما إذا كان سيفتح باب المساءلة، أم سيُستوعب ضمن دائرة التبرير.
الإقطاع السياسي في سورية الطبيعية لم يسقط بعد، لكنه لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضاته كما في السابق. ومع تراكم الوعي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يستمر هذا النموذج في إعادة إنتاج نفسه، أم تبدأ مرحلة جديدة تُبنى فيها السياسة على أساس المصلحة العامة لا مصلحة البيوتات؟
الجواب ليس نظريًا. إنه يتشكل في وعي الناس، وفي قدرتهم على تحويل هذه الاعترافات من مادة للجدل إلى نقطة انطلاق نحو تغيير حقيقي.
د.نبيلة عفيف غصن
