من شعار وطني إلى قناع إداري
ما يُقدَّم اليوم تحت عنوان “كلنا للوطن” لا يقف عند حدود الشعار الجامع، بل يتجاوزه إلى محاولة تحويله إلى إطار إلزامي يُعاد عبره تعريف كل فعل إغاثي على الأرض. المشكلة ليست في العبارة، بل في توظيفها كغطاء يُعاد من خلاله ترتيب العلاقة بين الدولة والشركاء بطريقة تُفرغ الجهد الحقيقي من أصحابه وتعيد نسبته إلى سردية واحدة رسمية.
حين يُطلب من الفعل الإنساني أن يمر عبر ختم الهوية
اشتراط وضع ملصقات موحدة على المساعدات، وارتداء “pins” للموظفين، وتوحيد الصورة البصرية للتوزيعات، لا يُقرأ كتنسيق تقني. بل كإعادة صياغة إلزامية لكيفية ظهور العمل الإنساني. وكأن القيمة لم تعد في إيصال المساعدة، بل في الشكل الذي تُقدَّم به ومن يملك حق تعريفه بصريًا.
الجمعيات… من شركاء ميدان إلى خلفية صامتة
الجمعيات التي عملت مع النازحين لم تكن امتدادًا لأي جهة، بل كانت في قلب الفراغ الذي تركته الأزمات. حضورها لم يكن إعلاميًا بل ميدانيًا، قائمًا على الاستجابة المباشرة. اليوم، يتم دفع هذا الحضور إلى الخلفية، ليُعاد تقديم المشهد وكأن الفاعل الأساسي هو الجهة التي تنظّم الصورة، لا من صنع الحدث الإنساني نفسه.
إعادة كتابة الذاكرة الإنسانية
الأخطر في هذا المسار ليس في التنظيم، بل في إعادة تشكيل الذاكرة العامة. حين يُعاد تقديم المساعدات عبر صورة موحدة ومنسقة رسميًا، تُمحى تدريجيًا أسماء الفاعلين الحقيقيين من السردية. وهكذا يتحول العمل الإنساني من تجربة متعددة الأطراف إلى رواية أحادية الصوت.
التنسيق حين يتحول إلى مركزية قسرية
التنسيق بين الدولة والمجتمع المدني ضرورة لا جدال فيها، لكنه يفقد معناه عندما يتحول إلى مركزية تُحدد فيها جهة واحدة كيف يجب أن يُرى كل شيء. عندها لا يعود التنسيق شراكة، بل وصاية ناعمة تُعيد توزيع الأدوار بشكل غير متوازن.
الصور كأداة لإعادة إنتاج الرواية
الدعوة إلى إرسال صور “جودة عالية” لاستخدامها في الاتصالات الرسمية تكشف بوضوح أن المسألة لم تعد تتعلق بالإغاثة فقط، بل بإنتاج مادة بصرية تُعيد صياغة المشهد. الصورة هنا لا توثّق الواقع، بل تُنتج نسخة منه تُناسب السردية الرسمية.
الثقة لا تُفرض… بل تُبنى بالاعتراف
الحديث عن “تعزيز الثقة بالمؤسسات” يفقد معناه إذا ترافق مع تقليص الاعتراف بالشركاء الفعليين. الثقة لا تُبنى عبر الشعارات أو الهوية البصرية، بل عبر الاعتراف بالجهد كما هو، وبمن أنجزه فعليًا، دون إعادة تدوير الأدوار.
الوطن ليس علامة تجارية
لا يمكن اختزال الوطن في شعار يُطبع على المساعدات أو يُعلّق على سترات العاملين. الوطن ليس هوية بصرية تُدار من مكتب، بل شبكة أفعال حقيقية تراكمت في الميدان. وأي محاولة لتحويله إلى “علامة موحدة” تُخضع كل من يعمل باسمه لنموذج واحد، تُفرغه من معناه الأوسع.
الخاتمة: بين من يصنع الفعل ومن يوقّع عليه
في لحظات الأزمات، يُقاس الفارق بين الفعل الحقيقي والصورة الرسمية. الجمعيات كانت هناك حين كان الفعل ضرورة لا خطابًا. وأي نظام يحاول إعادة نسب هذا الفعل إليه بالكامل، لا يعيد فقط ترتيب الأدوار، بل يغامر بقطع الصلة بين المجتمع وذاكرته الحقيقية في العمل الإنساني.

د.نبيلة عفيف غصن