تهالك الخطاب الإعلامي للعدو بالتقادم… هل من أوراقٍ جديدة؟
بقلم : الاعلامية أمل المالكي ///العراق
تعتمد الماكينة الإعلامية المعادية لمحور المقاومة على جملةٍ من الاستراتيجيات الخطابية المتكرّرة، لعلّ أبرزها ما يمكن تسميته بثنائية (اللوم والنكاية)، وهي آليةٌ دعائية دَوْرانية تُستَخدم وفق الظرف والمرحلة.
ففي الحالة الأولى، تلجأ هذه الماكينة إلى خطاب اللوم، حيث تُطالِب قوى المقاومة بعدم التصدي، وبـ«تجنيب بلدانها وشعوبها ويلات الحروب والعقوبات الأميركية»، وتُسخَّر لأجل ذلك آلاف الأقلام والمحللين في المجالات القانونية والاقتصادية والعسكرية وغيرها.
وفي هذا السياق، تُعلَّق إخفاقات السياسات الحكومية وسوء الإدارة الداخلية كلّها على شماعة أفعال المقاومة، باعتبارها – وفق هذا الخطاب – السبب المباشر لكل أزمة ومعاناة.
أمّا في الحالة الثانية، أي عند اندلاع المواجهات وتأخّر ردّ المقاومة لأسبابٍ تكتيكية أو حسابات ميدانية خاصة، تنتقل الماكينات ذاتها إلى خطاب النكاية، متسائلةً بسخرية:
أين المقاومة؟
وأين شعاراتها؟
هل جبنت عن الرد؟
وهنا تُستَخدم الأدوات الإعلامية نفسها، لكن بهدف تصوير المقاومة في حالة ضعف أو عجز، في محاولةٍ واضحة لزعزعة الثقة الشعبية بها وضرب رصيدها المعنوي.
وما إن يأتي ردّ المقاومة، حتى يعود الخطاب مجددًا إلى مربّعه الأول، ليُقال إن «بلدانكم وشعوبكم ستدفع ثمن أفعالكم غير الوطنية»، وإن هذه الردود «ستضر بالاقتصاد والسياسة والاستقرار»، في حلقةٍ مفرغةٍ من التناقض لا تنتهي.
غير أنّ جماهير المقاومة تنبّهت خلال السنوات الأخيرة إلى هذا الأسلوب، وأدركت أن هذا الخطاب المتناقض لا يهدف إلا إلى إخضاع شعوب المنطقة، واستعبادها لإرادة الولايات المتحدة وأدواتها، وتسليم مقدّراتها لقوى الاستكبار العالمي، مهما تبدّلت العناوين وتغيّرت الذرائع.
إلى جانب ذلك، يعتمد الإعلام المعادي استراتيجيةً ثانية لا تقلّ خطورة، يمكن توصيفها بابتداع مفهوم «العلبة الوطنية»، وهو اجترار ناعم لفكرة التجزئة وشعار «فرّق تسُد».
ففي هذا الخطاب، يُدفع بكل شعب إلى الانكفاء على ذاته، وتُجزّأ القضايا والهموم:
أنت عراقي، فلا شأن لك بلبنان أو سوريا؛
أنت بحريني، فاترك حديث العقيدة المشتركة واللغة والقومية؛
وأنت يمني أو لبناني أو سوري أو مصري، فكّر بحدودك فقط وبـ«وطنيتك» الضيقة.
وهكذا، يُعاد إنتاج الفرقة، ويُشقّ الصف الواحد إلى صفوفٍ متجاورة تفصل بينها الأفكار أكثر مما تفصلها الأسلاك الشائكة على الحدود.
وقد تأثّرت قطاعات واسعة من الشعوب العربية بهذا الخطاب، باستثناء شريحةٍ أساسية من شيعة المنطقة، الذين حالت دون تفتيتهم عوامل عدّة، في مقدّمتها العقيدة الجامعة، والمناسبات الدينية المشتركة، ومحبة أهل البيت، فضلًا عن وحدة الاستهداف والقمع الذي فُرض عليهم، فكان الميدان والواقع كفيلين بفضح زيف هذا الخطاب.
ومن هنا، تحوّلت هذه الجماهير إلى جسدٍ واحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
إن ما أفرزته المعركة الراهنة يجب ألّا يغيب عن الدراسة والمراجعة، بل يفرض تعزيز نقاط القوة، وتدعيمها، ومعالجة مواطن الضعف بوعيٍ يتناسب مع طبيعة المرحلة.
فتماهل أي جبهة – سواء في لبنان أو العراق أو اليمن – لن يقتصر ثمنه عليها وحدها، بل سيُكلّف الجميع أثمانًا باهظة. ومن هنا تبرز ضرورة التفكير بفتح جبهاتٍ ثانوية في الساحات التي استنارت جماهيرها بوهج دماء الشهداء، وبما كشفته هذه المنازلة من حقيقة الصراع في غرب آسيا.
وأخيرًا، يصبح من اللازم التنبه منذ الآن إلى الأساليب والخطابات الإعلامية الجديدة التي ستسعى الماكينات المعادية إلى ابتكارها مستقبلًا، بعد أن تهالكت استراتيجياتها السابقة بالتقادم، وانكشفت أدواتها أمام وعي الشعوب وتجربة الميدان.
