الجمهورية التكنولوجية: كيف يبني ترامب وبالانتير بديلاً فاشياً للليبرالية؟
نوال عباسي_تونس
لم يعد الحديث عن “توحش الغرب” أو “معاداة الإنسانية” مجرد فرضية نقدية في أروقة الأكاديميا، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى برنامج سياسي وتقني واضح المعالم، تجسد بشكل صارخ في “ميثاق بالانتير” الصادر في أفريل 2026 .(Palantir Manifesto) هو وثيقة سياسية وأيديولوجية من 22 نقطة، أصدرتها شركة بالانتير للتكنولوجيا، تدعو إلى تحول جذري في دور وادي السيليكون. هو بيان استفزازي يرى أن مستقبل الديمقراطيات الغربية يعتمد على تسليح التكنولوجيا، ويدعو المهندسين إلى تحمل “مسؤولية أخلاقية” بالمشاركة المباشرة في صناعة أدوات الحرب والاستخبارات والردع بالذكاء الاصطناعي.صدر هذا المانفستو كملخص لكتاب صدر عام 2025 بعنوان “الجمهورية التكنولوجية” لمؤسس الشركة ألكسندر كارب ونيكولاس زاميسكا.
هذا الميثاق، الذي يمثل أيديولوجية وادي السيليكون الجديدة، يقدم بديلاً حقيقياً عن الليبرالية العالمية: ليس نظاماً أخلاقياً، بل نظاماً تقنياً-فاشياً، لا يهتم بالإنسان بقدر ما يهتم باستمرار الهيمنة الغربية بأي ثمن. إنه يترجم النظرية النقدية (مدرسة فرانكفورت) إلى خريطة طريق عملية.
هنا يصبح “توحش الغرب” كمسار و”معاداة الإنسانية” كوجهة، حيث لم يعد العنف استثنائياً بل منهجياً، يمارس بدم بارد ودون مبررات أخلاقية. هذا العنف الإداري البيروقراطي يصبح طبيعة ثانية للنظام، فتُعاد تعريف الليبرالية نفسها: لم تعد نظام قيم، بل آلية هيمنة تتحول إلى ما يشبه “الجمهورية التكنولوجية” حيث يُقدّس استمرار النظام مهما كلف الثمن من إنسانية.
يأتي ميثاق بالانتير ليجسد هذه النظريات على أرض الواقع بقلب واضح للمفاهيم. فهو يتبنى القوة الصلبة صراحة، متجاوزاً القوة الناعمة والأخلاق، معلناً أن قدرة المجتمعات الحرة تتطلب أكثر من النداء الأخلاقي، بل تتطلب قوة صلبة تُبنى على البرمجيات. كما يعتبر بناء أسلحة الذكاء الاصطناعي أمراً محسوماً، والسؤال الوحيد هو من سيصنعها ولأي غرض، مما يعكس نهاية التردد الأخلاقي. والأخطر أنه لا يخفي معاداة الإنسانية كأيديولوجية تفوقية، إذ يصف بعض الثقافات بأنها “مختلة وظيفياً ورجعية”، ويدعو لمقاومة “تعددية فارغة”. وقد تجسد هذا في الاستخدام الفعلي لأنظمة بالانتير لاستهداف وقتل عشرات الآلاف في غزة عبر “قوائم قتل”، وهو العنف البيروقراطي بعينه.
هذا الميثاق ليس مجرد وثيقة نظرية، بل هو خريطة طريق تنبئ بمآلات خطيرة تتوزع على خمسة تحولات كبرى.
أولها التحول الجيوسياسي والعسكري: “أتمتة “الحرب وتحولها إلى “قتل بيروقراطي”، وظهور “عهد الردع القائم على الذكاء الاصطناعي” بدلاً من التوازن النووي، مما يزيد عدم الاستقرار العالمي.
ثانيها التحول السياسي الداخلي: السعي لـ”دولة الحزب الواحد التكنولوجي” عبر دمج النخب، وفرض “الخدمة الوطنية كواجب عام” لتكوين مجتمع عسكري متجانس، وإنهاء “تحييد” ألمانيا واليابان لبناء حلف غربي أكثر عدوانية.
ثالثها التحول الاقتصادي: اكتمال “الاندماج الهيكلي” بين الدولة والشركات التقنية، حيث يمتلك صانعو السياسات أسهماً في شركات مثل بالانتير.
رابعها التحول الأيديولوجي: تطبيع التفوقية الغربية تحت عباءة التكنولوجيا، وتحويل الحريات الديمقراطية إلى “ترف” يجب التضحية به.
خامسها المقاومة: فعلى الرغم من الدعم السياسي، يواجه الميثاق مقاومة مؤسسية وشعبية، مع سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين انتصار الرؤية، أو فشلها، أو تحولها إلى نموذج عالمي هجين.
لكن السؤال الأهم: هل أمريكا “جمهورية تكنولوجية” اليوم؟
الجواب أنها ليست كذلك بعد، لكنها تمر بمرحلة انتقالية متسارعة نحو هذا النموذج. تتجلى ملامح هذه المرحلة في تكامل وادي السيليكون مع البنتاغون، حيث تخلت شركات مثل Google وMeta وOpenAI عن تعهداتها السابقة بعدم تطوير أسلحة، وانضم قادتها إلى الاحتياطي العسكري، بينما تقترب القيمة السوقية لشركتي Palantir وAnduril من قيم عمالقة الدفاع التقليديين. كما تظهر التطبيقات الملموسة في مشروع Maven الذي يعمل كنظام تشغيل قتالي، واستخدام بالانتير في عمليات خطف واغتيال. ولا يغيب النفوذ السياسي المباشر، حيث أصبح نائب الرئيس جيه دي فانس، وهو “الابن الروحي” لبيتر ثيل مؤسس بالانتير، يستخدم منصبه لقيادة مفاوضات حربية مصيرية.
في هذه المرحلة الانتقالية، لا يقود ترامب الرؤية بقدر ما يمكّنها عبر تفكيك العوائق المؤسسية. علاقته بنخبة التكنولوجيا تقوم على تحالف مصالح: فبيتر ثيل هو “صانع الملوك” الذي رعى حملته، وإيلون ماسك هو “الشريك الأيقوني” الذي ترأس “وزارة كفاءة الحكومة” لتفكيك البيروقراطية، وبالانتير نفسها حصلت على عقود بمليارات الدولارات.
تهالك الخطاب الإعلامي للعدو بالتقادم… هل من أوراقٍ جديدة؟
بقلم : الاعلامية أمل المالكي ///العراق
تعتمد الماكينة الإعلامية المعادية لمحور المقاومة على جملةٍ من الاستراتيجيات الخطابية المتكرّرة، لعلّ أبرزها ما يمكن تسميته بثنائية (اللوم والنكاية)، وهي آليةٌ دعائية دَوْرانية تُستَخدم وفق الظرف والمرحلة.
ففي الحالة الأولى، تلجأ هذه الماكينة إلى خطاب اللوم، حيث تُطالِب قوى المقاومة بعدم التصدي، وبـ«تجنيب بلدانها وشعوبها ويلات الحروب والعقوبات الأميركية»، وتُسخَّر لأجل ذلك آلاف الأقلام والمحللين في المجالات القانونية والاقتصادية والعسكرية وغيرها.
وفي هذا السياق، تُعلَّق إخفاقات السياسات الحكومية وسوء الإدارة الداخلية كلّها على شماعة أفعال المقاومة، باعتبارها – وفق هذا الخطاب – السبب المباشر لكل أزمة ومعاناة.
أمّا في الحالة الثانية، أي عند اندلاع المواجهات وتأخّر ردّ المقاومة لأسبابٍ تكتيكية أو حسابات ميدانية خاصة، تنتقل الماكينات ذاتها إلى خطاب النكاية، متسائلةً بسخرية:
أين المقاومة؟
وأين شعاراتها؟
هل جبنت عن الرد؟
وهنا تُستَخدم الأدوات الإعلامية نفسها، لكن بهدف تصوير المقاومة في حالة ضعف أو عجز، في محاولةٍ واضحة لزعزعة الثقة الشعبية بها وضرب رصيدها المعنوي.
وما إن يأتي ردّ المقاومة، حتى يعود الخطاب مجددًا إلى مربّعه الأول، ليُقال إن «بلدانكم وشعوبكم ستدفع ثمن أفعالكم غير الوطنية»، وإن هذه الردود «ستضر بالاقتصاد والسياسة والاستقرار»، في حلقةٍ مفرغةٍ من التناقض لا تنتهي.
غير أنّ جماهير المقاومة تنبّهت خلال السنوات الأخيرة إلى هذا الأسلوب، وأدركت أن هذا الخطاب المتناقض لا يهدف إلا إلى إخضاع شعوب المنطقة، واستعبادها لإرادة الولايات المتحدة وأدواتها، وتسليم مقدّراتها لقوى الاستكبار العالمي، مهما تبدّلت العناوين وتغيّرت الذرائع.
إلى جانب ذلك، يعتمد الإعلام المعادي استراتيجيةً ثانية لا تقلّ خطورة، يمكن توصيفها بابتداع مفهوم «العلبة الوطنية»، وهو اجترار ناعم لفكرة التجزئة وشعار «فرّق تسُد».
ففي هذا الخطاب، يُدفع بكل شعب إلى الانكفاء على ذاته، وتُجزّأ القضايا والهموم:
أنت عراقي، فلا شأن لك بلبنان أو سوريا؛
أنت بحريني، فاترك حديث العقيدة المشتركة واللغة والقومية؛
وأنت يمني أو لبناني أو سوري أو مصري، فكّر بحدودك فقط وبـ«وطنيتك» الضيقة.
وهكذا، يُعاد إنتاج الفرقة، ويُشقّ الصف الواحد إلى صفوفٍ متجاورة تفصل بينها الأفكار أكثر مما تفصلها الأسلاك الشائكة على الحدود.
وقد تأثّرت قطاعات واسعة من الشعوب العربية بهذا الخطاب، باستثناء شريحةٍ أساسية من شيعة المنطقة، الذين حالت دون تفتيتهم عوامل عدّة، في مقدّمتها العقيدة الجامعة، والمناسبات الدينية المشتركة، ومحبة أهل البيت، فضلًا عن وحدة الاستهداف والقمع الذي فُرض عليهم، فكان الميدان والواقع كفيلين بفضح زيف هذا الخطاب.
ومن هنا، تحوّلت هذه الجماهير إلى جسدٍ واحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
إن ما أفرزته المعركة الراهنة يجب ألّا يغيب عن الدراسة والمراجعة، بل يفرض تعزيز نقاط القوة، وتدعيمها، ومعالجة مواطن الضعف بوعيٍ يتناسب مع طبيعة المرحلة.
فتماهل أي جبهة – سواء في لبنان أو العراق أو اليمن – لن يقتصر ثمنه عليها وحدها، بل سيُكلّف الجميع أثمانًا باهظة. ومن هنا تبرز ضرورة التفكير بفتح جبهاتٍ ثانوية في الساحات التي استنارت جماهيرها بوهج دماء الشهداء، وبما كشفته هذه المنازلة من حقيقة الصراع في غرب آسيا.
وأخيرًا، يصبح من اللازم التنبه منذ الآن إلى الأساليب والخطابات الإعلامية الجديدة التي ستسعى الماكينات المعادية إلى ابتكارها مستقبلًا، بعد أن تهالكت استراتيجياتها السابقة بالتقادم، وانكشفت أدواتها أمام وعي الشعوب وتجربة الميدان.
وقد فعّل ترامب هذه الرؤية عبر سياسات ملموسة، إذ وقّع قانون التجنيد الآلي (التسجيل التلقائي في نظام التجنيد) الذي طالبت به بالانتير، وألغى القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي، ودفع نحو تطوير أسلحة مستقلة بالكامل. والأكثر إثارة للجدل هو تضارب المصالح العلني: عندما انهار سهم بالانتير، أصدر ترامب تغريدة يذكر رمز السهم لينتشله، متجاوزاً كل الأعراف الأخلاقية. كل هذا يندرج تحت مظلة فكرية تعرف بـ”التكنوفاشية”، وهي أيديولوجية ترى أن المشكلة هي الديمقراطية وأن الحل هو نظام نخبوي تحكمه التكنولوجيا.
بهذا، تتكامل الصورة أمامنا كاملةً.لم تعد نظرية “توحش الغرب” ضرباً من التحليل الأكاديمي البارد، ولا “معاداة الإنسانية” مجرد شعار راديكالي هامشي. لقد تحولتا، عبر ميثاق بالانتير وسياسات ترامب، إلى بنية تشغيلية فعلية تعيد تشكيل الدولة الغربية من داخلها. ما كان يُقرأ كتحذير مستقبلي أصبح واقعاً يُمارس يومياً: حروب تُدار بالخوارزميات، ومواطنون يُسجلون إجبارياً في نظام تجنيد آلي، وديمقراطيات تُفكك باسم الكفاءة، وقادة شركات يتقلدون رتباً عسكرية ويصوغون السياسات من داخل البيت الأبيض.
إن أمريكا التي نعرفها، بمؤسساتها الديمقراطية وفصل سلطاتها وضماناتها للحقوق والحريات، لم تسقط بعد، لكنها تنزف بصمت. النخبة التكنولوجية لا تحتاج إلى انقلاب عسكري؛ فهي تفضل تفكيك النظام من الداخل، قوانين بقوانين، وعقداً بعقد، وتغريدة بتغريدة. ترامب، في هذه المرحلة، لم يكن القائد الملهم، بل كان المطرقة التي حطمت الأصنام الليبرالية التي كانت تعيق هذا المشروع لعقود.
أما السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً على مستقبل قاتم أو مشرق، فهو: هل يدرك المواطن العادي في الغرب أنه أصبح، دون وعي منه، مجرد “مورد بشري” في نظام تقني-فاشي يعيد تعريف معنى الحرية؟ أم أن اليقظة ستأتي متأخرة، بعد أن تصبح “الجمهورية التكنولوجية” قدراً محتماً لا رجعة فيه؟
التاريخ يراقب، والعيون التي تقرأ هذه السطور اليوم قد تكون شاهدة على آخر أيام الديمقراطية كما عرفناها، أو أول أيام مقاومة حقيقية لهذا المسار.
الخيار لم يحسم بعد، لكن ساعة الصمت انتهت!!!!
