إشكالية النصر أو الهزيمة
مأمون ملاعب
مما لا شك فيه انّ القناعات ثابتة وانّ المواقف مسبقة. هكذا كان الوضع عام 2006 وقبله عام 2000 حين لم يقبل البعض كلمة التحرير ويستبدلها بـ الانسحاب الإسرائيلي، وهو نفس الفريق الذي اعتبر أنّ 1701 هو فوز للعدو وانّ الحرب لم تجلب الى لبنان إلا الموت والدمار، متجاهلاً تحرير الأسرى، بل محقراً ذلك باعتبار انّ عدد الشهداء والضحايا يفوق عدد المحرّرين!
اليوم نسمع عن عبثية الحرب وكلفتها في البشر والماديات، وعن تفرّد حزب الله في القرار وجرّ البلد الى مشكلة هو بغنى عنها، متجاهلين كل المآسي التي طالتنا طيلة خمسة عشر شهراً، وطبعاً سنرى ونسمع تمجيداً للحركة الدبلوماسية الجريئة التي قامت بها السلطة وأدّت الى وقف إطلاق النار. في المقابل ستصدر مئات المقالات والتغريدات التي تؤكد “المؤكد” عند حمَلة راية المقاومة، لكنها لن تخرق جدار الرفض عند أخصامها وكلّ الدلالات والبراهين لن تغيّر الانقسامات المسبقة بل ستجد لها ردوداً جدلية.
ما هي أسباب القناعات والمواقف المسبقة المعادية للمقاومة؟
النقطة الأولى والأهمّ هي ضياع الهوية وفقدان شخصية المجتمع، الوطن، لم يكتسب الصراع مع العدو (على المستوى اللبناني) صفة الصراع القومي أو البعد الوطني. هناك فئة لا ترى الكيان الاغتصابي عدواً، بل “دولة عادية طبيعية”! وعلى العكس فقد تنظر الى الوجود الفلسطيني بعداوة وترى سورية عدواً بحسب طبيعة النظام إنْ كان معاديا لـ “إسرائيل” أولا. بعضهم يطرح مقولة الحياد كغطاء لرفضه الصراع.
النقطة الثانية المكملة للأولى هي انّ من يحملون لواء المقاومة يشكلون فئة، وهذا بديهي في حالة الشعب اللبناني المنتسب الى “دولة الشراكة” أو دولة الفيدرالية الغير معلنة رسمياً، إنما هي شراكة في الدولة وتوزيع للصلاحيات والنفوذ وتناقض في التقافات.
في الفترة الاخيرة (بعد 1990) حمل لواء المقاومة حزب الله ذو العقيدة الإسلامية الشيعية وتلقّى دعماً من الجمهورية الإسلامية في إيران ذات العقيدة عينها، مما أفسح في المجال لشتى صنوف الاتهامات ضده، كما فتح باب التملّص من الصراع بتحميله صفات ليست من أصله، ومع انّ الصراع هو في بلاد الشام على أرض فلسطين في البداية، وعلى أجزاء من مصر وسورية ولبنان في ما بعد، ونشأ قبل الثورة الإسلامية في إيران بزمن فقد ألصقت البروباغندا الإعلامية الصهيونية والعربية تهمة تبعية المقاومة لإيران وافتعال الحروب خدمة لها الى درجة من الغلوّ والوقاحة باعتبار حركة حماس، وهي عقائديا فرع من الاخوان المسلمين أحد أذرع إيران.
يجهد هذا الإعلام الى طمس قضية فلسطين كلياً وتحويل الصراع من حقيقته بين أصحاب الارض والحق وبين المغتصبين الإرهابيين، الى صراع نفوذ إيراني ـ اسرائيلي، أو إيراني ـ أميركي، أو إيراني ـ عربي.
النقطة الثالثة تكمن في ثقافة العجز والشعور بالدونية. بعض الأنظمة (كلها وليدة الخارج) أسّست الى قناعة الضعف والعجز أمام الأقوياء وبالتالي قبول ما يمكن والتلطي بالمؤسّسات الدولية والقانون الدولي والسكوت عن كلّ التجوزات علينا وهدر حقوقنا بل قبول ذلك في حالة من الدونية بعيدة عن مفردات العز والكرامة والسيادة.
النقطة الرابعة تكمن في طريقة إنتهاء الحرب اوالخروج منها وبصياغة الاتفاقيات اوالقرارات. ذلك ان العدووالذي قام كيانه على الإرهاب والقوة والاغتصاب وتاريخه القصير كذلك لا يتحمّل الإعلان عن هزيمة او الإقرار بها، فذلك يفقده أهمّ عناصر وجوده. يساعده في ذلك ان هزيمته مرحلية وليست نهائية او أنها ببساطة سقوط أهداف. يدعم العدو في ذلك النفوذ الغربي وحتى ملحقاته العربية فتخرج الصيغة ملتبسة قابلة للتأويل والجدلية.
هل يمكن تغيير المعطيات او توضيح الوقائع؟
لم تتطوّر الحرب الحالية حتى الآن الى مرحلة النصر الحاسم او الهزيمة النكراء ولم تتبدّل ظروف المقاومة ولم تسقط الأنظمة حتى الآن. لا بدّ من ملحقات للحرب. لا بدّ من سقوط الحكومة في لبنان واعتذار الرئيس او تصحيح مسيرته. لا بدّ من طرد العدو كلياً عن أرض لبنان مع بقاء المقاومة الواضح، ولا بدّ من صياغة الاتفاق على وقف الحرب بما يلائم المنتصر. والحقيقة انّ الحرب قد تتجدّد في ايّ لحظة واننا مقبلون بعد فترة على حرب أخرى. لا يمكن إطلاقاً أن يتمّ السلام ودولة الاغتصاب موجودة
