هذا مقال جديد ، كتب بتاريخ١٠ ابريل ٢٠٢٦سالم ايوبنقطة اللاعودة…لماذا هذه الهدنة ليست سوى استراحة محارب في حرب لم تنتهِبقلم: سالم أيوبكاتب وصحفي سابقليس السلام ما نراه اليوم.ما نراه هو هدوء مؤقت، أشبه بلحظة الصمت التي تسبق العاصفة. في السياسة، كما في المعارك، لا تكون أخطر الأوقات هي لحظات الانفجار، بل تلك اللحظات التي يسود فيها الصمت، لأن الصمت في الشرق الأوسط ليس هدوء استقرار، بل هو استراحة محارب، ونفس عميق قبل الغوص مجدداً.منذ أعلنت الهدنة المؤقتة، بدأ الجميع يتنفسون الصعداء. ترامب يروّج لإنجاز تفاوضي، وإيران تتحدث عن شروطها، وإسرائيل تؤكد أن ساحات أساسية — وعلى رأسها لبنان — ليست جزءاً من أي تهدئة حقيقية. هذا التناقض ليس خللاً في التصميم، بل هو جوهر التصميم نفسه.ما يحدث أمامنا ليس اتفاقاً، بل هو “نظام مؤقت لإدارة التوتر”. هو أشبه بوقف إطلاق نار تكتيكي، يسمح لكل طرف بإعادة التموضع، واختبار نوايا الخصم، وإعادة ترتيب أوراقه دون دفع كلفة التصعيد المباشر. لكنه في الوقت ذاته يخلق بيئة أكثر هشاشة، لأن الأسباب العميقة للصراع لم تُحل، بل جرى تغليفها بطبقة من الغموض المقصود.في هذا المقال، سأحاول أن أغوص تحت سطح التصريحات، إلى حيث تُصنع القرارات الحقيقية. سأعتمد على ما يجري على الأرض، وليس على ما يقال في المؤتمرات الصحفية. لأن الحقيقة، في صراعات كهذه، لا تُعلن، بل تُمارس.* طبيعة المرحلة: لماذا الهدنة هي الحرب نفسها بثوب مختلفدعني أبدأ بحقيقة قد تبدو قاسية: الهدنة الحالية ليست فصلاً مختلفاً عن الحرب، بل هي الحرب نفسها، لكنها تغيرت طبيعتها.في الحروب التقليدية، هناك ساحة قتال واضحة، وجيوش متواجهة، ونهاية محددة إما بالنصر أو الهزيمة. أما اليوم، فما نعيشه هو ما يمكن تسميته بـ”إدارة الصراع الممدد”. كل طرف يعرف أنه لا يستطيع حسم المعركة عسكرياً، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التراجع سياسياً. فالنتيجة؟ حرب بلا نهاية مرئية، وبلا بداية واضحة.هنا تبرز حقيقة إسرائيلية صريحة، نادراً ما تناقش في وسائل الإعلام العربية: إسرائيل أعلنت عملياً أنها تعيش في “حرب أبدية”. هذا التعبير ليس شعرياً، بل هو تشخيص استراتيجي. حماس لا يمكن القضاء عليها بالكامل، حزب الله لا يمكن تدميره حتى النهاية، وإيران لا يمكن تغيير نظامها دون عواقب إقليمية كارثية. فماذا تفعل دولة تواجه هذا الواقع؟ تحول الحرب من هدف يُحقق إلى حالة تُدار.وهنا يكمن الخطر. لأن إدارة الحرب تعني أن العنف لا يتوقف، بل يتغير شكله. يتحول من معارك كبرى إلى ضربات محدودة، من غزو شامل إلى مناطق عازلة، من حسم عسكري إلى استنزاف طويل. والهدنة، في هذا السياق، ليست سوى أداة ضمن أدوات الإدارة، وليست خروجاً منها.* لبنان ليس استثناء، بل القاعدة…إذا أردت أن تفهم كيف تعمل هذه الآلية، انظر إلى جنوب لبنان.إسرائيل أعلنت عن إنشاء “منطقة عازلة” في جنوب لبنان. هذا المصطلح المهذب يخفي حقيقة أبشع: تدمير قرى بأكملها، وإخلاء سكانها، وتحويل المنطقة إلى حزام أمني. وهذا يحدث الآن، خلال الهدنة. ليس بعد انتهائها، وليس في سياق منفصل، بل كجزء من تطبيق الهدنة نفسها.دعني أشرح لك المنطق، لأنه مهم جداً لفهم ما يحدث.
المنطق الإسرائيلي يقول: طالما أن حزب الله يمتلك قدرة على إطلاق الصواريخ على مستوطناتنا، فعلينا أن ندفع هذا التهديد إلى ما وراء مدى تلك الصواريخ. والطريقة الوحيدة لفعل ذلك، من وجهة نظرهم، هي السيطرة على شريط من الأرض داخل الأراضي اللبنانية، وتطهيره من السكان، وتحويله إلى منطقة عسكرية مغلقة.النتيجة؟ حرب مستمرة، لكنها لم تعد تُسمى حرباً. هي عمليات “تأمين حدودي”، أو “إقامة منطقة عازلة”، أو “ردع استباقي”. الأسماء تتغير، لكن الجوهر يبقى: أرض تُؤخذ، ومنازل تُدمر، وأهالي يُهجرون.وهنا أريد أن أقول شيئاً قد يكون مزعجاً: لبنان ليس ضحية عرضية في هذا الصراع. لبنان، بقدر ما هو ساحة، هو أيضاً أداة. إسرائيل تدرك أن المواجهة المباشرة مع إيران مكلفة وخطيرة، لكنها تستطيع أن تستنزف إيران عبر حلفائها في لبنان. وإيران تدرك أن لبنان هو ورقة الضغط الأهم لديها على إسرائيل.
فالنتيجة؟
لبنان يتحول إلى مسرح تُلعب عليه حرب بالوكالة، وسكانه هم من يدفعون الثمن.لكن هنا المفارقة القاتلة: لبنان، بطبيعته، ليس ساحة يمكن التحكم بها بالكامل. كثافة الاشتباك، تعدد اللاعبين، غياب قواعد اشتباك واضحة، كلها عوامل تجعل من أي خطأ صغير بداية لسلسلة تفاعلات لا يمكن السيطرة عليها. والجميع يعرف هذا. لكن الجميع يراهن على أن الخطأ سيقع عند الآخر، وليس عنده.
* المفارقة الكبرى، لماذا لا يريد أعداء إيران سقوطها؟…
هنا أريد أن أتوقف عند نقطة قد تبدو متناقضة، لكنها مفتاح لفهم كل ما يحدث.قد تعتقد أن كل من يخشى إيران — السعودية، الإمارات، مصر، إسرائيل — يريد سقوط نظامها. هذا منطقي، أليس كذلك؟ أنت تخاف من خصمك، إذن تريد زواله.
لكن السياسة ليست بهذه البساطة. الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً.دول الخليج، في تحليلاتها العميقة، لا تريد “يوماً بعد إيران”. ليس لأنها تحب النظام الإيراني — فهي تعتبره تهديداً وجودياً — بل لأنها خائفة مما سيأتي بعده.
دعني أوضح. إذا انهارت إيران، من سيملأ الفراغ؟
ليس تحالفاً عربياً، لأن العرب أثبتوا في اليمن أنهم لا يستطيعون إسقاط قوة عسكرية حاسمة. ليس تركيا، لأنها منهكة اقتصادياً ومحاصرة جغرافياً. ليس مصر، لأنها تعتمد على المساعدات الأميركية.الذي سيملأ الفراغ هو إسرائيل.إسرائيل، وحدها، هي القوة في المنطقة التي تمتلك القدرة الجوية الهجومية، والدفاع الصاروخي، والاستعداد المعلن للضرب في أي مكان وفي أي وقت.
إذا اختفت إيران، فلن يبقى ثقل موازن. وكل عاصمة عربية ستصبح، عملياً، شريكاً صغيراً في نظام أمني تهيمن عليه إسرائيل. السيادة ستصبح مشروطة، والإذن سيصبح مفاوضة يومية.
هذا ليس مستقبلاً تريده الرياض أو أبوظبي. لذلك، وبسرية تامة، تعمل هذه الدول على إبقاء إيران في اللعبة. ليست قوية، ليست غير متحداة، لكنها حاضرة. مقيدة. قابلة للإدارة. لأن شرق أوسط بلا إيران، في حساباتهم، أكثر خطورة من شرق أوسط مع إيران مقيدة.هذه هي السياسة الحقيقية. ليست ما يقال في البيانات، بل ما يُفعل خلف الأبواب المغلقة.
* نقطة التحول — متى تنكسر اللعبة؟…
بعد كل هذه المقدمات، نصل إلى السؤال الجوهري: أين تقع نقطة اللاعودة؟من خلال متابعتي لطريقة عمل المخططين العسكريين على مدى سنوات، توصلت إلى أن نقطة التحول ليست حدثاً واحداً. ليست صاروخاً واحداً، ولا اغتيالاً واحداً. هي التقاء ثلاثة عناصر في آن واحد:
الأول: ضربة تمس هيبة طرف رئيسي بشكل مباشر.
ليس ضربة عادية، بل ضربة تُقرأ على أنها إهانة لا يمكن تجاوزها.
الثاني: رد لا يمكن احتواؤه سياسياً.
بمعنى أن القيادة التي تتعرض للضربة تجد نفسها في موقف لا يسمح لها بالتراجع دون خسارة هيبتها أمام شعبها أو أمام حلفائها.
الثالث: كسر واضح لقواعد الاشتباك القائمة.
أي تجاوز للخطوط الحمراء غير المعلنة التي كان الجميع يحترمها.إذا اجتمعت هذه العناصر الثلاثة، فإن مسار الأحداث يتغير جذرياً خلال ساعات. ولا يصبح هناك مجال للعودة إلى الوراء، لأن كل طرف سيكون قد تجاوز الخط الذي يسمح له بالتراجع دون خسارة هيبته.والآن، دعني أطبق هذا على الواقع الحالي. هناك ثلاثة سيناريوهات يمكن أن تشكل هذه النقطة:
– السيناريو الأول، وهو الأقرب: تصعيد نوعي في جنوب لبنان يتجاوز السقف المعتاد. ضربة إسرائيلية كبيرة — اغتيال قيادي بارز في حزب الله، أو استهداف واسع يوقع عشرات القتلى (وهذا ما حدث بالفعل) — تقابل برد غير مسبوق من حزب الله، ربما بصواريخ تصل إلى تل أبيب أو حيفا. عندها، لن يكون هناك مجال للتراجع. لأن كلاً من إسرائيل وحزب الله سيكون قد تجاوز الحدود التي سمحت سابقاً بإدارة التوتر.
– السيناريو الثاني، الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة: ضربة إسرائيلية داخل العمق الإيراني. هذا النوع من العمليات لا يترك مجالاً للرد المحدود. الرد الإيراني سيكون مباشراً، وقد يشمل أهدافاً أميركية في الخليج، ما يفتح الباب لمواجهة إقليمية شاملة خلال أيام.- السيناريو الثالث، وهو ما يسميه الاستراتيجيون “الخطأ القاتل” خلال “الهدنة”: استهداف قاعدة أميركية يؤدي إلى سقوط عدد كبير من القتلى.
في هذه الحالة، لن يكون لدى الإدارة الأميركية هامش للمناورة. الضغوط الداخلية ستفرض رداً قوياً، بغض النظر عن حسابات التصعيد. وعندها، تجدد المواجهة الإيرانية-الأميركية من حرب بالوكالة “المقنعة” إلى مواجهة مباشرة مرة أخرى.لكن أخطر ما في هذه السيناريوهات ليس احتمال حدوث كل منها على حدة، بل “تزامنها المحتمل”. لأن تعدد الجبهات يعني أن خطأ في ساحة واحدة قد يتفاعل مع تصعيد في ساحة أخرى، ليخلق سلسلة من الأحداث لا يمكن احتواؤها.
* تحت الطاولة، ما لا تراه الكاميرات…
بعيداً عن الإعلام، هناك عالم آخر يعمل بشكل مستمر. عالم القنوات الخلفية، والرسائل غير المباشرة، والوسطاء الذين لا تظهر أسماؤهم.هذه القنوات لا تعمل لصنع السلام. لا أحد في هذه المرحلة يعتقد أن السلام ممكن. ما تعمل له هذه القنوات هو شيء أكثر تواضعاً لكنه أكثر إلحاحاً: منع الانفجار الكامل. هي صمامات أمان، لكنها ليست ضمانات.عبر هذه القنوات، يتم تبادل الرسائل. خطوط حمراء تُرسم بشكل غير معلن. تفاهمات جزئية تُبنى ثم تُهدم.
كل طرف يحاول أن يقول للآخر: “هذا ما يمكنني تحمله، وهذا ما سيجعلني أعيد الرد”.لكن مشكلة هذه القنوات أنها تعمل في بيئة من انعدام الثقة المطلق. كل طرف يفترض أن الآخر يكذب، أو أنه سيخون التفاهم بمجرد أن تتحسن ظروفه. وهذه البيئة خلال “الهدنة”، تجعل أي سوء تقدير — مهما كان صغيراً — كافياً لانهيار كل شيء.
وفي الوقت نفسه، تعمل كل الأطراف على إعادة التموضع. الولايات المتحدة تعيد توزيع قواتها في المنطقة. إسرائيل تختبر حدود التصعيد في الجبهات المفتوحة. إيران تعيد تقييم استراتيجيتها بين الردع وتجنب عودة الحرب. ودول الخليج تحاول البقاء خارج دائرة النار، رغم أنها جزء من معادلتها.
ما يجمع كل هذه التحركات هو هدف واحد: الاستعداد لكل الاحتمالات دون الالتزام بأي منها.وهذا ما يجعل المرحلة الحالية خطيرة بشكل خاص. لأن التوازن القائم ليس توازن استقرار، بل توازن خوف. كل طرف يخشى من الخطوة التي تُعيد إشعال الحرب، لكنه في الوقت نفسه يقترب منها تدريجياً، لأنه يظن أنه يستطيع التحكم في المسافة.
* بين يديك، مقال يكتب نفسه الآن…
نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: أين تقع نقطة اللاعودة؟الجواب، بعد كل هذا التحليل، ليس في مكان واحد. نقطة اللاعودة ليست خطاً على الخريطة، بل هي لحظة في الزمن. وهي أقرب مما نعتقد.ما نراه اليوم — الهدنة المؤقتة، المفاوضات المتعثرة، التصريحات المتناقضة — ليس نهاية صراع، بل هو فصل في حرب لم تُحسم. هي استراحة محارب، يتنفس خلاله كل طرف قبل أن يغوص مجدداً.لكن الاستراحة في حرب لم تنتهِ ليست أماناً. هي، في الحقيقة، أكثر اللحظات هشاشة.
لأن الأسباب العميقة للصراع لم تُحل، بل جرى تأجيلها. والغضب لم يتبخر، بل جرى كبته. وأي كبت، مهما كان محكماً، ينفجر في النهاية.الجميع يعرف المخاطر. الجميع يرى الهاوية. لكن الجميع، في الوقت نفسه، يواصل السير نحوها، بحجة أن الآخر هو من سيسقط أولاً.
هذه هي مأساة الشرق الأوسط اليوم: حرب لا يريدها أحد، لكن لا أحد يعرف كيف يمنعها. قرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة، وليس وفق استراتيجية واضحة.
خطوات صغيرة، كل منها تبدو غير ضارة بمفردها، لكنها مجتمعة ترسم طريقاً لا عودة منه.وعندما تأتي نقطة التحول — وهي قادمة، ليس لأن أحداً يخطط لها، بل لأن النظام الحالي ينتجها حتماً — لن يكون السؤال: كيف بدأت الحرب؟سيكون السؤال: لماذا لم يمنعها أحد؟هذا هو جوهر اللحظة التي نعيشها.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام كل من لا يزال يعتقد أن الهدنة تعني السلام.لأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تُحل الأسباب، وليس عندما تُؤجل.
وما لم يحدث ذلك، فإن ما نعيشه ليس سوى مقدمة لانفجار أكبر.وفي عالم تحكمه هذه المعادلة، لا تكون أخطر القرارات هي تلك التي تُتخذ بوعي، بل تلك التي تُترك للصدفة والخطأ واللحظة.
وتلك، باختصار، هي أسوأ طريقة لبدء أي حرب.
