ما وراء الاعتراف: إيران والصراع على معنى القوة
حسن بن عمارة-تونس
ما اعترف به ترامب لأول مرة حين قال: “لقد وعدني الرئيس الصيني والروسي بعدم مساعدة إيران، لكني أرى بصمات الصين وروسيا في الضربات الأخيرة” — يكشف هذا الاعتراف المخفي في حروب التوازنات. وما يُنشر حول هذا الدعم، في أغلبه يقتصر على الجانب السياسي، وتروّج له الصفحات الموجهة بالدعم العسكري للاستنقاص من مكانة إيران. وفي الحروب، لا تحسم الضربة العسكرية جوهر الصراع، بل هي مقدمات لتحول أعمق يتعلق بطبيعة القوة نفسها.
أولًا: حروب التحرير وإرادة الأرض
إن حروب التحرير لا تُحسم بترسانة وحجم المعتدي، بل بإرادة أصحاب الأرض وإيمانهم بحقانية قضيتهم. والاختبار الأكبر ليس لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن يملك القدرة على إنتاج مقاومة مستمرة، والحفاظ على نسق الضغط لوأد العدو.
لم يكن الملف النووي هو الهدف في الصراع الإيراني-الأمريكي منذ البداية، بل كان الهدف تركيع دولة تتحدى عدوها منذ انطلاق ثورتها. ولا تستوي الأمور بين من يريد عزة بهويته واستقلاله، ومن يعتد بقوة لتركيع المختلف عنه.
ثانيًا: حرب نموذجين
الحرب القائمة هي حرب بين نموذجين يختلفان في كل شيء: في معنى الإنسان وقيمته، والأخلاق والثقافة، والعلاقات الدولية، والرؤية الاقتصادية، والأهداف السياسية. كما لا يخفى على عاقل أن الولايات المتحدة تخوض معركتها للحفاظ على منظومة غربية شُكّلت مفرداتها بعد الحرب العالمية الثانية، وما أُسس له من نفوذ بُني على الحروب والقوة والتفوق العسكري، والسيطرة على الطاقة وممراتها، والهيمنة على شبكات الاقتصاد العالمي، وعلى المؤسسات الدولية حتى أُفرغت من محتواها، وأصبحت أدوات طيعة بيد الأمريكي.
في خضم هذا، تكافح إيران من أجل تثبيت هويتها واسترجاع حقوقها، والدفاع عن نموذج سياسي قام منذ تأسيسه على نظرية ولاية الفقيه، المعتبرة بين المنظومات السياسية الحاكمة، وهي جديدة وتشكل خطرًا على وجودهم إن نجحت في تكريس مشروعها من جاكرتا إلى طنجة، وتعمل على قاعدة “لا شرقية ولا غربية” لبناء ثقافي ومعرفي وديني وسياسي. وهي تحاول من سنين مقاومة سياسة الاحتواء والالتواء والإملاء.
ثالثًا: عنصر المفارقة في الأداء الإيراني
لعل العنصر الأكثر دلالة في التفريق بين النموذجين، وانكشف جليًا الآن، في الأداء الإيراني، هو امتلاكها لأدوات الرد، والقدرة على الاستمرار تحت ضغط متراكم من الأزمات. إذ منذ قيام الجمهورية الإسلامية، تواجه طهران عقوبات طويلة وعزلة سياسية ومؤامرات متكررة، وفُرضت عليها ثلاثة حروب. هذا ما دفعها إلى بناء منظومة متكاملة لا تقوم على منع الصراع، إنما على امتلاك القدرة على التكيف معه، وخوضه، وتحمل كلفته، وامتصاص نتائجه. وهذه حالة يصعب فهمها لمن يحسب عناصر وجوده بالكمي الصرف والمادي الذي يتمدد دون قيود أو شروط تحكمه.
راهن خصوم إيران طويلًا على انهيار داخلي، وبالحد الأدنى تغيير في السلوك السياسي لتطويعهم بتراكم الأزمات. وأظهرت التجربة أن الضغط الخارجي لا يؤدي دائمًا إلى النتائج المتوقعة، بل دفع بإيران إلى تطوير أدوات ردع متعددة: إعلامية وعسكرية واقتصادية وسياسية، والأهم هو تحشيدها لجماهيرها الذي كاد أن تفتقده قبل أيام الحرب، ما جعل إسقاطها أو إخضاعها أكثر تعقيدًا مما يحسبه العدو، لأنه في الأساس معركة بأدوات يجهل العدو مفرداتها. حتى انقلب الإيقاع وصار بيد الأقل قوة، وهو المتحكم، وليس من يهدد.
رابعًا: جبهة الكيفي مقابل الكمي
في الحرب القائمة نكتشف أن ميدان الصراع ليس محصورًا بالجبهات التقليدية ووسائلها، بل يوجد جبهة أهم مجهولة ويستحيل على العدو إدراكها، وهي جبهة الكيفي الموغل في النفوس، الذي تحركه الفطرة ويرفض الظلم، يقابله الكمي الظالم الغاوي للنفوس.
في هذه المواجهة، ليس من يملك القدرة على إلحاق الضرر بالآخر هو المنتصر، بل من يستطيع جعل الزمن يعمل لمصلحته. القوى الكبرى قد تكسب معارك كثيرة، لكنها تخسر أحيانًا على تحويل انتصاراتها العسكرية إلى واقع سياسي مقبول، بل تدفع بالخصم بإعطائه شرعية ونفوذًا تفوق كل التوقعات.
خامسًا: تحول الميدان إلى الحرب غير التقليدية
في جانب آخر، انتقلت المواجهة إلى المجال غير التقليدي الذي ترتكز عليه القدرات العسكرية الأمريكية، ليعكس تحولًا في مفهوم الردع. إذ إن الدول لم تعد تكتفي باستهداف القواعد العسكرية والمخازن والمنشآت فحسب، بل كل بنية تنتج القدرة على المقاومة. في الوقت الذي أصبح فيه العالم يعتمد على البيانات والاتصالات، وأصبحت الشبكات الرقمية جزءًا من الأمن القومي، وأصبحت العمود الفقري للحروب مع العنصر الاقتصادي المهم.
