تشهد المنطقة إعادة رسم متسارعة لقواعد اللعبة الجيوسياسية، حيث لم تعد المعادلات البحرية والأمنية في الخليج خاضعة للرهانات التقليدية، بل باتت يُحكم بفرض واقع ميداني جديد يتجاوز أوهام الحماية وتوازنات الردع القديمة.
1. الانكشاف العملاني لمفهوم “شراء الحماية” وهشاشة الاستثمار في الأزمات
أثبتت التحولات العميقة الأخيرة أن الاعتماد على مظلات أمنية خارجية عبر شراء شبكات الحماية أو الاستثمار المالي في استنزاف الشعوب وإدارة الأزمات الإقليمية هو رهان ذو سقف زمني قصير. تتداعى اليوم المقاربات الأمنية التقليدية التي افترضت أن الثروة الاقتصادية أو شبكات النفوذ بالوكالة قادرة على توفير حصانة أمنية دائمة.
ينعكس هذا الانكشاف على المستويين العسكري والتكتيكي من خلال عدة آليات عملانية:
اختلال معادلة الكلفة والفاعلية (Asymmetric Warfare): أظهرت المواجهات الحديثة أن المنظومات الدفاعية الأعلى كلفة في العالم (مثل بطاريات “باتريوت” و”ثاد”) تستهلك صواريخ اعتراضية تتجاوز قيمتها ملايين الدولارات للتصدي لمسيرات انتحارية وصواريخ جوالة زهيدة التكلفة. هذا النزيف المالي واللوجستي يجعل التغطية الدفاعية المطلقة أمراً مستحيلاً على المدى الطويل.
هشاشة البنية التحتية الحيوية: أصبحت المنشآت الاقتصادية الكبرى—من محطات تحلية المياه، ومحطات الكهرباء، إلى خزانات تكرير النفط وموانئ التصدير—في مرمى النيران المباشرة. هذه الأهداف المحددة جغرافياً تُشكل نقاط ضعف استراتيجية لا يمكن حمايتها بالكامل بغض النظر عن حجم الإنفاق العسكري.
يفرض الإقليم اليوم واقعاً جيوسياسياً جديداً لا يعترف بالسرديات الدبلوماسية المعزولة عن الأرض، بل يُحكم بالسيطرة الفاعلة وبأوراق القوة الميدانية. إن التحول الناجم عن امتلاك القوى الإقليمية الرئيسية لمفاتيح الحركة والتأثير على المعابر المائية والمنافذ الاقتصادية الحيوية كشف الهوة الشاسعة بين “النفوذ الورقي” والتأثير الفعلي.
وتتمثل أدوات هذه السيطرة العملانية في عدة مفصلات:
تطويق المنافذ البديلة (استهداف خط حبشان-الفجيرة): جرى الاعتماد تاريخياً على ميناء الفجيرة الممتد على خليج عمان للالتفاف على مخاطر إغلاق مضيق هرمز عبر أنبوب “حبشان-الفجيرة”. لكن الواقع العملاني الجديد أثبت أن الميناء والمياه الإقليمية المحيطة به باتت تقع ضمن نطاق التغطية النارية المباشرة (صواريخ بر-بحر باليستية، وزوارق سريعة، ومسيرات بحرية)، ما أبطل فاعلية خطة الالتفاف الاستراتيجية.
استراتيجية المنع من الوصول والحرمان من المنطقة (A2/AD): تعتمد القوى الفاعلة ميدانياً على نشر زوارق هجومية سريعة، وألغام بحرية ذكية، ومنظومات حرب إلكترونية تشوش على نظام التتبع الملاحي (AIS). هذه التكتيكات تمكنها من اعتراض الناقلاات وتفتيشها أو احتجازها دون الحاجة لخوض مواجهة تقليدية شاملة مع الأساطيل الكبرى.
السيطرة على الممرات والتأمين الذاتي: أصبحت القوة الفاعلة هي من تملك القدرة على شل حركة الملاحة البحرية أو فتحها بقرار سيادي ميداني، مما يحول الاستثمارات البحرية الكبرى والنفوذ التجاري إلى أوراق بلا قيمة إن لم تحمَ بقوة ردع ذاتية ومباشرة.
على المستوى الدولي، يعكس هذا الارتباك الجيوسياسي تحولاً هيكلياً في مركز الثقل العالمي؛ فلم تعد واشنطن تتفرد بصياغة أمن الخليج أو فرض إرادتها البحرية والعسكرية كما كان الحال لشهود عقود مضت. التراجع الملموس في قدرة الحليف الأمريكي على تقديم ضمانات أمنية مطلقة يدفع باتجاه معادلة جديدة لا يمكن فيها إدارة الأزمات الخليجية دون المرور عبر بوابات الشرق، وتحديداً بكين وموسكو.
وتتضح حدود القوة الأمريكية والبدائل الشرقية عملانياً عبر المحاور التالية:
الإنهاك اللوجستي للأسطول الخامس الأمريكي: أظهرت عمليات مرافقة الناقلات وتأمين الممرات البحرية إجهاداً كبيراً للقطع البحرية الأمريكية، حيث يتطلب استمرار الانتشار العسكري استنزافاً هائلاً للسفن والذخائر الذكية، وهو ما لا تستطيع واشنطن تحمله بشكل مفتوح في ظل التزاماتها العالمية الأخرى.
الدور الصيني المتصاعد كضامن اقتصادي وسياسي: بصفتها المستورد الأكبر لنفط الخليج والشرق الأوسط، تتكئ بكين على ثقلها الاقتصادي وشبكة استثماراتها ضمن “مبادرة الحزام والطريق” لتفرض نفسها كوسيط لا يمكن تجاوز استقراره البحري. تحول اللجوء إلى الصين من خيار دبلوماسي إلى ضرورة عملانية لضمان تدفق الطاقة.
التنسيق العسكري والأمني مع موسكو: يوفر الدعم التكنولوجي الروسي (يشمل بيانات الاستطلاع الفضائي، والتدريبات البحرية المشتركة في بحر عمان والحيّز البحري الإقليمي) مظلة إضافية تمنع واشنطن من اتخاذ قرارات حاسمة منفردة، وتفرز توازناً بأسلحة ونظم قيادة وسيطرة متعددة الأقطاب.
تضع هذه التطورات متخذي القرار في المنطقة أمام استحقاق تاريخي يفرض التخلي عن أدوات الماضي وتحديث إدراكهم للواقع؛ فالأقاليم لا تُحكم بالوكالة، والأمن لا يُستورد، ومن يراهن على هندسة محيطه عبر الصراعات، يجد نفسه في النهاية خاضعاً لقواعد اللعبة التي يكتبها الأقوياء على الأرض.
.
د. نبيلة عفيف غصن
