في عالمٍ تتكشّف فيه الحقائق بلا أقنعة، يبرز خطابٌ أمريكي متغطرس يتعامل مع الدول ذات السيادة وكأنها كيانات وظيفية يُسمح لها بالوجود فقط ضمن حدود مرسومة سلفًا.

هذا الخطاب، الذي تجسّد في سياسات وتصريحات الإدارة الأمريكية في أكثر من مرحلة، يتعامل مع دول كإيران بمنطق الوصاية: ممنوع أن تكوني مستقلة، ممنوع أن تكتفي ذاتيًا، وممنوع أن تطمحي لمكانة تنافس النفوذ الأمريكي.إيران، بتاريخها الفارسي العريق، ليست كيانًا طارئًا على الجغرافيا أو السياسة. هي حضارة ضاربة في عمق التاريخ، أثبتت حضورها في الحاضر، وتسعى لحجز موقعها في المستقبل.

ولأنها كذلك، أصبحت هدفًا لحملات تشويه ممنهجة، صُرفت عليها الأموال، وسُخّرت لها أدوات إعلامية وسياسية، وللأسف كان بعض المتلقين من الشعوب العربية أول من تأثر بها، في مشهد يعكس أزمة وعي أكثر مما يعكس حقيقة الوقائع.

ضمن هذا السياق، تتضح أهمية فهم المعارك الدائرة في المنطقة بعيدًا عن السطحية. فمعركة غزة ليست مجرد مواجهة محلية، بل تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي، لا سيما المصري.

وبالمثل، فإن ما يجري في جنوب لبنان، حيث يخوض حزب الله مواجهة مفتوحة، يتجاوز الحدود اللبنانية ليصبح مرتبطًا بالأمن القومي العربي وتحديداً السوري بشكل مباشر.قد يبدو هذا الطرح غريبًا للبعض، خاصة في ظل ما يُروَّج عن سقوط سوريا، لكن من يقرأ الجغرافيا والتاريخ بعمق يدرك أن أي معادلة سياسية أو ما يسمى “سلامًا” لا يمكن أن تستقر دون إدراج لبنان وسوريا معًا ضمنها. وهذا ما يفسر السلوك السياسي الحالي في لبنان، حيث تُقدَّم بعض المسارات على أنها مفاوضات، بينما هي في جوهرها إعادة تشكيل للمواقف بما يتناقض مع منطق المقاومة.

كيف يمكن الترويج لكيان مصطنع، والتحريض ضد أبناء الأرض الحقيقيين؟ من هم المقاومون؟ ومن هو حزب الله؟ هل جاءوا من خارج هذه الأرض، أم أنهم أهلها وسكانها الأصليون؟

هذه الأسئلة تكشف حجم التناقض الذي يُراد فرضه كواقع.في جنوب لبنان، تُرسم مشاهد مواجهة تتجاوز حدود التحليل التقليدي، وتُسجَّل مواقف لا يمكن إنكارها، لا من صديق ولا من خصم. إنها صورة تُكتب بدمٍ لا يقبل التزييف، ولا يخضع للمساومة.أما معركة إيران، فهي ليست معركة إقليمية ضيقة، بل تتجاوز ذلك لتلامس مفهوم الأمن الإنساني العالمي.

فالسؤال الذي يُطرح بجدية: ماذا لو سقطت إيران؟ من التالي؟ هذا القلق هو ما يفسر تقاطعات وتحركات إقليمية، من باكستان إلى الخليج، حيث تدرك الدول أن الاستهداف ليس منعزلًا بل متسلسلًا.وفي هذا الإطار، يصبح الربط بين الملفات أمرًا منطقيًا، فحين تُطرح شروط تتعلق بلبنان مقابل ملفات استراتيجية كالممرات المائية، فإن ذلك يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع، الذي لا ينفصل عن مشروع التوسع الذي ينتهجه كيان “إسرائيل” في المنطقة.”

إن من يظن أن الصراع يمكن احتواؤه أو تجزئته، يتجاهل أن المشروع التوسعي لا يعترف بالحدود، ولا يقف عند نقطة معينة، بل يتغذى على التراجع ويتمدّد مع كل ضعف.”ما الذي يبرر التوسع في الجنوب السوري؟ وما الذي يفسر الممارسات في الضفة الغربية؟ هذه ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات ضمن سياق واحد. ومع ذلك، لا يزال هناك من يراهن على أوهام التسوية، متناسيًا أن الوقائع على الأرض تقول عكس ذلك.التاريخ مليء بالنماذج التي تؤكد أن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الإرادة يمكن أن تغيّر المعادلات.

من بدر إلى كربلاء، ومن محطات كثيرة، يتكرر الدرس ذاته: الحق لا يُقاس بحجم القوة المادية فقط، بل بثبات الموقف وعدالته.إن مفهوم “نصرة الحق” ليس شعارًا، بل فعل يتجسد في رفض الظلم، ومواجهة العدوان، والتصدي لمحاولات الإبادة وسلب الأرض. القضية في جوهرها ليست سياسية فقط، بل أخلاقية وإنسانية.ما حدث في فلسطين لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل قصة شعب استقبل لاجئين، ليتحول لاحقًا إلى ضحية مشروع استيطاني اقتلاعي. كأنك تفتح باب منزلك لمن طلب الأمان، فيتحول إلى من يطالبك بالخروج لأنه يعتبر البيت ملكه.

هذا السلوك، الذي يمارسه كيان “إسرائيل”، لا يقف عند حدود فلسطين، بل يمتد في طموحاته ليشمل محيطًا أوسع، وهو ما يُطرح علنًا تحت مسميات متعددة، ويُقابل – paradoxically – بحالات من التطبيع أو التبرير.بين من يبرر ومن يقاوم، تتجلى الفجوة الحقيقية داخل الوعي الجمعي.

فهناك من يرى أن الحوار قد يحقق ما لم تحققه المواجهة، رغم أن الوقائع تشير إلى أن الطرف الآخر لا يعترف إلا بمنطق القوة.الفرق بين السلطة والموقف، بين الخضوع والسيادة، ليس تفصيلاً هامشيًا، بل هو جوهر القضية.

وبينما تتراكم التحديات، يبقى السؤال مفتوحًا: متى تتحول هذه الأمة من موقع التلقي إلى موقع الفعل؟ ومتى تستعيد وعيها بحقائق لا تحتاج إلا إلى بصيرة لرؤيتها؟”إن طريق الصحوة لا يبدأ بتغيير موازين القوى فقط، بل يبدأ أولًا بكسر الوهم، والاعتراف بأن الحق لا يُمنح، بل يُنتزع بإرادة لا تعرف الانكسار.”

فاتنة علي_سورية الكبرى_لبنان