عندما تُستهدف المدارس في أوقات الحروب، لا يكون الهدف المباشر إسقاط الجدران أو سحق المقاعد الخشبية، بل إرسال رسالة شفرتها واضحة: “لا مستقبل لكم هنا”.
إن تعرض 352 مؤسسة تعليمية في جنوب لبنان للأضرار، بينها 26 مدرسة دُمّرت بالكامل، ليس مجرد هامش جانبي في التقرير الأمني أو خطأ في بنك الأهداف، بل هو تكتيك هندسي ديمغرافي يندرج ضمن عقيدة “الأرض المحروقة”. الهدف منه واضح وصريح: جعل الجنوب بيئة غير قابلة للحياة، وقطع شريان العودة أمام العائلات المهجرة.
تدمير الحجر لخنق البشر: المدارس كعقدة هدم مجتمعي
تُمثّل المدرسة في القرى والبلدات الجنوبية أكثر من مجرد بناء للتعليم؛ إنها القلب النابض للاستقرار المجتمعي، والركيزة الأولى التي تزن بها العائلات قرار بقائها أو عودتها إلى أرضها.
تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية هنا على تسلسل تدميري متواصل؛ حيث يبدأ الاستهداف بقصف المدرسة وإخراجها من الخدمة، مما يؤدي فوراً إلى تعطيل العملية التعليمية. هذا التعطيل يضرب مقومات استقرار الأسرة في القرى الحدودية، ويضعها أمام خيار قسري بالنزوح الدائم نحو المدن البعيدة بحثاً عن مستقبل أبنائها، ليتحقق بذلك الهدف النهائي المتمثل في التفريغ الدائم للجغرافيا الجنوبية. إن إسرائيل لا تقصف المكان فحسب، بل تقصف مقومات العيش فيه.
لغة الأرقام: دلالات التدمير المنهجي
إن حجم الأضرار الذي طال 352 مؤسسة تعليمية يُسقط تلقائياً أضحوكة “الأضرار الجانبية” أو “الاستهداف الموضعي”، ويكشف عن مخطط متكامل الأركان.
فقد أدى مسح 26 مدرسة بالكامل إلى شطب معالم رئيسية من الخارطة التعليمية والتنظيمية للقرى الحدودية. وفي الوقت نفسه، تسبب تضرر 326 مؤسسة تعليمية أخرى بشكل جزئي في تعطيل بنيتها التحتية والتقنية، وتحويلها إلى بيئات غير آمنة فيزيائياً للاستخدام البشري. ولم يتوقف هذا الاستهداف عند حدود الجدران والصفوف، بل امتد ليطال البيئة التعليمية برمتها، مخلّفاً حالة من الرعب النفسي لدى الأطفال والكوادر التدريسية، بما يضمن منع أي محاولة قريبة لإعادة التشغيل أو استئناف الدراسة.
هذه المعطيات تُترجم سياسة تدمير القطاعات الحيوية بهدف فرض واقع جغرافي جديد، يُجرّد الشريط الحدودي الجنوبي من أي مظاهر مدنية أو عمرانية.
تستهدف هذه السياسة ضرب أجيال كاملة تعليمياً ونفسياً؛ فالمدرسة الرسمية والخاصة في الجنوب كانت دائماً خزان الذاكرة الوطنية ومصنع الوعي الصامد. من هنا، فإن هدم الصروح التعليمية يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين:
تجهيل ممنهج: خلق فجوة تعليمية حادة يصعب ردمها للأطفال والشباب في المناطق التي تشكل البيئة الاجتماعية للصمود.
إلغاء الذاكرة: محو الشواهد العمرانية التي تحمل تاريخاً من التحدي والهوية الوطنية، لمنع ارتباط الأجيال الجديدة بأرضهم وآثارها.
معركة العدالة: مسارات وآليات الملاحقة الدولية
أمام هذا التدمير الممنهج، لا يمكن الاكتفاء ببيانات التنديد التي تصدر عن المنظمات الأممية؛ إذ إن المدارس والمؤسسات التعليمية تتمتع بحماية خاصة بصفتها أعياناً مدنية بموجب المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادتين 52 و53 من البروتوكول الإضافي الأول. ولا تفقد هذه الصفة إلا إذا أُثبت استخدامها المباشر لأغراض عسكرية، وهو ما يقع عبء إثباته كاملاً على الطرف المهاجم.
رغم أن لبنان ليس عضواً في ميثاق روما الأساسي، إلا أنه يمتلك خيار تفعيل المادة 12(3) لإيداع إعلان رسمي لدى المحكمة الجنائية الدولية يقبل فيه ولايتها القضائية للتحقيق في الجرائم المرتكبة على أراضيه. بالتوازي مع ذلك، يتيح مبدأ الولاية القضائية العالمية تحريك دعاوى أمام المحاكم الوطنية لبعض الدول الأوروبية التي تجيز قوانينها ملاحقة مرتکبي جرائم الحرب، لا سيما ضد القيادات العسكرية التي تحمل جنسيات مزدوجة، أو عبر شكاوى مباشرة من متضررين يحملون جنسيات تلك الدول.
2. التحرّك الأممي والهيئات التعاهدية
يمكن للبنان خوض الجولة الدبلوماسية والقانونية عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول التبعات القانونية لتدمير البنية التحتية التعليمية. كما يتطلب الأمر الضغط داخل مجلس حقوق الإنسان لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تفرز تقارير جنائية موثقة، وإرسال بلاغات رسمية للمقررين الخاصين المعنيين بالحق في التعليم.
3. بناء “سجل الأضرار الموحد” وفرض التعويضات
لا معنى لأي تحرك قضائي دون قاعدة بيانات مطابقة للمعايير الجنائية؛ لذا تُصبح الأولوية الوطنية هي إنشـاء سجل أضرار رسمي بالتعاون مع اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). يعتمد هذا السجل على الصور الفضائية والمسح الهندسي والتصوير الجنائي لـ 352 مؤسسة متضررة، ليكون وثيقة إدانة دقيقة تُستخدم أمام المحاكم الدولية ولجان التعويضات لمطالبة الجانب الإسرائيلي بدفع تكاليف إعادة الإعمار والتعويض عن الحرمان المنهجي من التعليم.
إن الرهان على أن هدم المدارس سيمنع الأهالي من العودة هو رهان ينمّ عن جهل عميق بتاريخ الجنوب اللبناني؛ فالمدارس في هذه الجغرافيا لم تكن يوماً مجرد أحجار وإسمنت، بل كانت إرادة للتعليم والتثبت بالأرض. إن حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع التعليمي يستدعي تحويل ملف الأضرار إلى قضية ملاحقة دولية لا تستكين، بالتوازي مع استجابة وطنية سريعة تشبه إرادة الناس؛ لأن إعادة إعمار أول مدرسة على الحدود ستكون أقوى رداً وأول خطوة في تثبيت العودة واستعادة الأرض.
د. نبيلة عفيف غصن
