د. نبيلة عفيف غصن

أقرت الحكومة “الإسرائيلية” خلال الحرب بإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية كجزء من استراتيجية لتغيير الجغرافيا السياسية وتثبيت وقائع ميدانية. وعلى الرغم من التحذيرات العسكرية من الأعباء الأمنية، فإن التيارات اليمينية تدفع للتوسع بدعم أمريكي صامت يهدف لإدارة الظهور الإعلامي دون تغيير المسار، مما يعمق التشظي الفلسطيني ويقوض فرص التفاوض المستقبلي.

مقدمة

في لحظة إقليمية مشحونة بالحرب والانشغال العسكري، تمرّ قرارات كبرى قد لا تحظى بالضوء الكافي، لكنها تحمل آثارًا استراتيجية طويلة المدى. إعلان تقدّم الحكومة في الكيان الصهيوني نحو إقرار 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، خلال زمن الحرب، لا يمكن قراءته كإجراء إداري عابر، بل كجزء من مشروع متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على الأرض، مستفيدًا من لحظة الانشغال الأمني والارتباك الدولي.

الاستيطان كأداة استراتيجية لا كملف مدني

تُظهر هذه الخطوة أن ملف الاستيطان لم يعد يُدار بوصفه قضية داخلية أو مطلبًا سياسيًا لفئة معينة، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية ضمن رؤية أوسع لإعادة ترسيم الوقائع في الضفة الغربية.

فالقرارات المتسارعة التي تُمرَّر في ظل الحرب تعكس رغبة في تثبيت وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقًا، خصوصًا في مناطق سبق أن شهدت انسحابات أو تفكيكًا للبؤر الاستيطانية.

إن توزيع هذه المستوطنات الجديدة على مناطق متفرقة، بما في ذلك شمال الضفة، يعكس توجّهًا نحو تفكيك الجغرافيا الفلسطينية عبر خلق جيوب استيطانية متداخلة، تعيق أي إمكانية مستقبلية لبلورة تواصل جغرافي فلسطيني متماسك.

التوازن بين المؤسسة العسكرية والقرار السياسي

اللافت في هذا السياق هو التوتر الظاهر بين تقديرات المؤسسة العسكرية والقرار السياسي. تحذيرات رئيس أركان الجيش من ضغوط على القوى البشرية، وتحدثه عن “عشرة إنذارات حمراء”، تكشف عن إدراك داخل المؤسسة العسكرية بأن توسيع النشاط الاستيطاني لا ينفصل عن الأعباء الأمنية واللوجستية التي يتحملها الجيش.

هذا التباين يعكس خللاً بنيويًا في آلية اتخاذ القرار داخل الكيان الصهيوني، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية الأيديولوجية مع الحسابات العسكرية، دون وجود سقف واضح يحدّ من اندفاع السياسات التي قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني بدل احتوائه.

التيارات السياسية ودفع مسار التوسع

من الواضح أن قوى سياسية ذات توجهات أيديولوجية متشددة تلعب دورًا محوريًا في دفع هذا المسار. فالدفع نحو توسيع المستوطنات لا يأتي بمعزل عن رؤية تعتبر الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من المشروع الصهيوني التاريخي، وتسعى إلى فرض هذه الرؤية كأمر واقع عبر التوسع التدريجي والممنهج.

كما أن إدخال مستوطنات أو بؤر غير قانونية سابقًا ضمن إطار الاعتراف الرسمي، بعد ضغوط سياسية داخلية، يشير إلى آلية “تبييض” تدريجي للواقع الاستيطاني، حيث تتحول البؤر العشوائية إلى كيانات معترف بها، ما يعزز من شرعنة التوسع المستمر.

البعد الدولي: إدارة الظهور لا تغيير المسار

تشير المعطيات إلى أن تمرير هذه القرارات تمّ بشكل منخفض الظهور بناءً على طلب أو رغبة أميركية بعدم التصعيد الإعلامي خلال الحرب. هذا يعكس نمطًا مألوفًا في إدارة السياسات الحساسة: الحفاظ على الاستقرار الظاهري في الخطاب الدولي، مقابل الاستمرار في تنفيذ خطوات ميدانية على الأرض.

بمعنى آخر، لا يبدو أن هناك تغييرًا في جوهر السياسات، بل إدارة محسوبة للزمن السياسي والإعلامي، بحيث يتم تجنّب الضغوط أو ردود الفعل الدولية في لحظات التوتر، دون التراجع عن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.

انعكاسات على المشهد الفلسطيني

هذا التوسع الاستيطاني لا يُقرأ فقط كحدث إسرائيلي داخلي، بل كعامل مؤثر في بنية الصراع برمّته. فهو يعمّق من حالة التشظي الجغرافي، ويقوّض أي مسار تفاوضي قائم على فكرة الأرض مقابل التسوية، ويزيد من صعوبة إقامة أي كيان فلسطيني متصل وقابل للحياة.كما أن تكثيف الاستيطان في ظل الحرب يضيف بعدًا نفسيًا وسياسيًا جديدًا، إذ يُستغل الانشغال الفلسطيني والعربي والدولي لتثبيت وقائع قد تُصبح لاحقًا جزءًا من “الطبيعي الجديد” الذي يُفرض على الجميع التعامل معه.خاتمة ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توسع عمراني أو إداري، بل هو جزء من معركة طويلة على الوجود والهوية والسيادة. في زمن الحروب، تتقدّم الخرائط على الضجيج، وتُرسم خطوط النفوذ بهدوء خلف الستار.

أمام هذا الواقع، لا يكفي توصيف المشهد، بل يستدعي الأمر وعيًا استراتيجيًا يقرأ التراكم لا الحدث المفرد، ويدرك أن الصراع يُدار على مستويات متداخلة: عسكرية، سياسية، وجغرافية.

وبينما تُبنى المستوطنات على الأرض، يُعاد تشكيل مستقبل المنطقة خطوة خطوة، بما يتطلب إدراكًا أعمق لطبيعة المشروع الذي لا يتوقف عند حدود الحرب، بل يستثمرها كفرصة لتعزيز حضوره وترسيخ وقائعه.