بقلم د.نبيلة غصن
يعتبر “قانون إعدام الأسرى” في “إسرائيل” خطوة خطيرة نحو قيود ممارسة القتل تحت غطاء قانوني، ويعكس تطورًا في سياسة التمييز العنصري بحق الفلسطينيين.
القانون لا يهدف إلى القضاء على المعتقلين فحسب، بل يسعى لإعادة تعريف سيطرة الكيان الصهيوني عبر التشريعات. يُستخدم القضاء كأداة لإضفاء الشرعية على جرائم تناقض القانون الدولي.
ورغم إدانات محلية محدودة، لا يزال هناك صمت دولي يُفسّر بتناقض في تطبيق معايير العدالة. الأسرى يبرزون كرمز للصراع، وقضيتهم ليست إنسانية فقط، بل جوهرية في مواجهة الاحتلال. يعكس القانون سقوط القناع عن نوايا الكيان، لكنه يُذكر أن الإرادة الفلسطينية لا تزال حية.
لم يكن إقرار الكنيست لما يُسمّى بـ”قانون إعدام الأسرى” حدثًا قانونيًا عابرًا يمكن إدراجه ضمن سياق التشريعات الداخلية، بل هو لحظة كاشفة لجوهر المشروع الصهيوني في مرحلته الأكثر تطرّفًا وانكشافًا. فالقانون، بصيغته وتوقيته، لا ينفصل عن سياق سياسي وعسكري أوسع، يسعى إلى إعادة تعريف أدوات السيطرة من الاحتلال المباشر إلى شرعنة الإبادة عبر النصوص القانونية.
من الاحتلال إلى “قوننة” القتل
على امتداد عقود، مارس الكيان الصهيوني سياسات تصفية ميدانية بحق الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو غزة، عبر القتل المباشر أو عبر منظومة السجون القائمة على التعذيب والإهمال الطبي. الجديد اليوم ليس في الفعل، بل في الشكل: تحويل هذه الممارسات إلى قانون رسمي.إن الانتقال من القتل كـ”انتهاك” إلى القتل كـ”تشريع” يمثل تحوّلًا خطيرًا، حيث لم يعد الاحتلال بحاجة إلى تبرير أفعاله، بل بات يسعى إلى منحها غطاءً قانونيًا داخليًا، في تحدٍ صريح لكل منظومة القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف التي تضمن حماية الأسرى.
قانون عنصري بغطاء قضائي
ما يضاعف خطورة هذا القانون هو طابعه التمييزي الواضح. فهو لا يُطبّق بوصفه قانونًا عامًا، بل يستهدف فئة محددة على أساس الهوية القومية، ما يجعله أقرب إلى تشريع عنصري يندرج ضمن سياسات الفصل والاضطهاد.في هذا السياق، لا يمكن فصل القانون عن البنية الأيديولوجية التي تحكم الكيان، حيث تُستخدم المؤسسات القضائية كأداة لإضفاء شرعية زائفة على ممارسات قائمة أصلًا. وهنا، يصبح القضاء شريكًا في الجريمة، لا رادعًا لها.
صمت دولي يرقى إلى التواطؤ
رغم الإدانات الصادرة عن بعض الأطراف العربية، كالأردن ومصر، إلا أن المشهد الدولي العام يتّسم بصمت مريب. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالعجز فقط، بل يعكس ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي، حيث تُغضّ الطرف عن انتهاكات جسيمة عندما يكون الفاعل محميًا سياسيًا.إن غياب ردع دولي حقيقي يفتح الباب أمام سابقة خطيرة، لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تضرب أساس فكرة العدالة الدولية، وتحول القانون إلى أداة بيد الأقوياء.
لماذا الآن؟ سياق التصعيد والهروب إلى الأمام
يأتي هذا القانون في لحظة إقليمية حساسة، تتسم بتصاعد المواجهة على أكثر من جبهة، وبحالة ارتباك داخلية يعيشها الكيان. وفي مثل هذه اللحظات، تلجأ الأنظمة المأزومة إلى التصعيد كوسيلة لإعادة فرض الهيبة.لكن هذا التصعيد، بدل أن يعكس قوة، يكشف عن أزمة عميقة. فاستهداف الأسرى، بما يحملونه من رمزية نضالية، ليس إلا محاولة لضرب المعنويات وكسر الإرادة، في وقت تتآكل فيه صورة الردع.
بين الدعوة للانتفاض وواقع الاشتباك
دعوات فصائل المقاومة لإشعال “ثورة شعبية شاملة” تعكس إدراكًا لخطورة المرحلة، لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول طبيعة الأدوات المتاحة وجدوى التصعيد المفتوح في ظل موازين قوى مختلّة.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في رد الفعل الآني، بل في بناء استراتيجية تراكمية تجمع بين الفعل الشعبي، والعمل القانوني، والضغط الإعلامي، بما يعيد وضع قضية الأسرى في صدارة الاهتمام الدولي.
الأسرى: من ضحايا إلى عنوان للصراع
يحاول هذا القانون تحويل الأسرى إلى ضحايا معزولين، لكن الواقع يثبت أنهم يشكّلون أحد أبرز عناوين القضية الفلسطينية. فكل استهداف لهم يعيد تسليط الضوء على طبيعة الصراع، ويكشف حدود الرواية الصهيونية.إن معركة الأسرى ليست إنسانية فقط، بل سياسية بامتياز، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال.
خاتمة: حين يسقط القناع
قانون إعدام الأسرى ليس مجرد تشريع، بل إعلان صريح عن سقوط كل الأقنعة. هو اعتراف بأن هذا الكيان، في أزمته، لم يعد يملك سوى العنف كوسيلة للبقاء، حتى لو كان ذلك عبر تقنين الموت.
لكن التاريخ يُظهر أن القوانين التي تُبنى على الظلم لا تصمد طويلًا. فالإرادة التي تُسجن لا تُعدم، والقضية التي تُحاصر لا تموت. وبين نصّ قانوني يُشرعن القتل، وشعب يتمسّك بحقه، تبقى المعادلة مفتوحة على صراع طويل، عنوانه: من يملك الحق… ومن يملك القوة
