عون وقاسم: خطابان ولغتان ومنهجان

ناصر قنديل

خلال يومين فقط استمع اللبنانيون إلى خطابين متقابلين، خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أمام مؤتمر أوروبي، وخطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. وقد حمل خطاب عون موقفًا حادًا من المقاومة، إذ اعتبر أن ما جرى «فجر الاثنين» مع إطلاق بضعة صواريخ من لبنان كان «فخًا وكمينًا شبه مكشوفين للبنان والدولة اللبنانية والشعب اللبناني»، مضيفًا أن هناك «فريقًا مسلحًا خارج الدولة في لبنان لا يقيم أي وزن لمصلحة لبنان ولا حياة شعبه». بل ذهب أبعد عندما قال إن من أطلق تلك الصواريخ «أراد أن يشتري سقوط دولة لبنان تحت العدوان والفوضى ولو بثمن تدمير عشرات قرانا». في المقابل قدّم خطاب الشيخ نعيم قاسم رواية مختلفة جذريًا. فقد شدّد على أن «المقاومة صبرت خمسة عشر شهرًا على الاعتداءات المتواصلة»، وأنها «لم تبادر إلى التصعيد بل دافعت عن لبنان وسيادته». وأضاف أن المقاومة «ما زالت تقاتل في الخطوط الأمامية وتدمّر آليات العدو»، وأن الهدف هو «الدفاع عن لبنان وحماية أرضه».
أول ما يلفت النظر في المقارنة بين الخطابين ليس فقط الاختلاف السياسي بل لغة التخاطب نفسها. حيث يتحدّث خطاب قاسم عن الدولة بوصفها الإطار الوطني الذي يُحمى فيه البلد، ويؤكد أن المقاومة تتحرك دفاعًا عن لبنان. أما خطاب عون فيستخدم لغة عدائية اتهامية مباشرة تجاه المقاومة، ويصفها بأنها «فريق مسلح خارج الدولة»، ويصف عملياتها بأنها «فخ وكمين». المفارقة هنا أن خطاب المقاومة يتحدث عن الدولة بلغة الاحتواء، بينما خطاب الدولة يتحدث عن المقاومة بلغة الاتهام والعداء ونزع الشرعيّة.
جوهر النقاش لا يتعلق باللغة بل بقراءة الوقائع الميدانية. خطاب عون يفترض أن إطلاق ستة صواريخ من لبنان في 2 آذار هو ما منح “إسرائيل” ذريعة للتصعيد. غير أن الوقائع التي سبقت تلك الحادثة تطرح صورة مختلفة. فقد تحدثت تقارير إسرائيلية ودولية عن استعدادات عسكرية واسعة على الجبهة الشمالية. فقد نقلت وكالة Reuters في 1 آذار، وقبل إطلاق الصواريخ بيوم، عن الجيش الإسرائيلي أنه عزز قواته على الحدود مع لبنان واستدعى قوات احتياط إضافية تحسبًا لاحتمال توسيع العمليات العسكرية. وفي السياق نفسه وفي اليوم نفسه كتبت صحيفة Yedioth Ahronoth أن الجيش الإسرائيلي استدعى عشرات آلاف جنود الاحتياط إلى الجبهة الشمالية وأن القيادة العسكرية تبحث سيناريو مناورة برية داخل لبنان إذا اتخذ القرار السياسي بذلك. وهذه التقارير تعني أن الاستعداد العسكريّ الإسرائيلي لم يبدأ بعد حادثة الصواريخ بل كان قائمًا أصلاً ضمن التخطيط العسكري. وهو ما يطرح سؤالًا منطقيًا: إذا كانت “إسرائيل” قد بدأت تعبئة قوات الاحتياط وتعزيز قواتها المدرعة والمدفعية على الحدود، فهل كانت تنتظر حادثة محدودة لتقرّر التصعيد، أم أن خيار التصعيد كان مطروحًا بالفعل ضمن خططها العسكرية؟
ويصبح السؤال أكثر وضوحًا عندما نقرأ التصريحات الإسرائيلية حول أهداف العمليات المحتملة. فقد تحدثت تقارير وتحليلات في الإعلام الإسرائيلي عن احتمال إنشاء «منطقة عازلة» داخل الأراضي اللبنانية وتوصيف ذلك بالضرورة لحماية الشمال، وكان وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس قال في 17 شباط إن البقاء في التلال الخمس في جنوب لبنان نهائي كجزء من الضمانات الأمنية لحماية الشمال واعترف أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يمنح “إسرائيل” هذا الحق بل إنها فرضت ذلك بالقوة ونالت تأييد واشنطن.
تبدو المقاربتان اللتان قدّمهما الخطابان مختلفتين جذريًا في تعريف الواقعية. فخطاب عون يقوم على فكرة أن الواقعية تقتضي تجنب المواجهة العسكرية والبحث عن تسوية سياسية عبر التفاوض والضمانات الدولية. وقد دعا في كلمته إلى وقف شامل للعمليات العسكرية، وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة على مناطق التوتر ونزع سلاح حزب الله، وفتح باب المفاوضات برعاية دولية. أما خطاب نعيم قاسم فينطلق من قراءة مختلفة لطبيعة الصراع. فهو يرى أن المشكلة ليست في «الذريعة» بل في المشروع الإسرائيلي نفسه. فـ”إسرائيل”، وفق هذه القراءة، لا تنتظر حادثة محدودة كي توسّع عملياتها عندما ترى فرصة لتغيير الوقائع على الأرض. ولذلك تقوم فلسفة المقاومة على فكرة أن منع الاحتلال أو التوسع الإسرائيلي يحتاج إلى معادلة ردع تجعل كلفة التوسع أعلى من كلفة التراجع. وبالعودة إلى التجربة التاريخية في لبنان نكتشف أن الدبلوماسية اللبنانية لم تنجح في تحرير أرض محتلة. بل إن أبرز تجربة تفاوضيّة كانت اتفاق 17 أيار عام 1983 الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان و”إسرائيل”، وقد انتهى إلى الفشل قبل أن يُنفذ. وقال الرئيس الأسبق أمين الجميل صاحب الاتفاق لاحقًا، إن الاتفاق لم يحقق ما كان مأمولًا منه، لأن “إسرائيل” عندما تحتل أرضاً لا تفكر بالانسحاب منها ولأن أميركا صديق لا يمكن الاعتماد عليه عندما يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”، أما تجربة الجنوب اللبناني نفسها فتقدم نتيجة مختلفة.

لأن الاحتلال الإسرائيلي الذي استمرّ حتى عام 2000 لم ينته عبر مفاوضات سياسية أو اتفاقات دولية، بل عبر انسحاب أحاديّ جاء بعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري. وهذه التجربة هي التي تشكل أساس الفكرة التي يكرّرها خطاب المقاومة: أن إسرائيل لا تنسحب لأن أحدًا أقنعها سياسيًا، بل عندما تصبح كلفة بقائها أعلى من كلفة انسحابها، وهذه الحقيقة لا تسقطها الانتكاسة التي رافقت تجربة جبهة الإسناد.
ربما يتكفل المثال السوري بحسم النقاش بين الخيارين، حيث تظهر الوقائع بصورة أكثر وضوحاً. لأن الدولة السورية لم تطرح في المفاوضات الجارية منذ أشهر مع “إسرائيل” مطلب الانسحاب من الجولان المحتل، بل ركزت على مطلب أكثر تواضعاً هو عودة القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل التوغل الأخير، أي إلى خط 9 كانون الأول 2024. ومع ذلك لم يتحقق هذا الهدف. لأن “إسرائيل” لم توافق على الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها بعد ذلك التاريخ، بل عزّزت وجودها العسكري في مناطق إضافية داخل الأراضي السورية، وأقامت نقاطاً عسكرية في مواقع استراتيجية أبرزها جبل الشيخ. أي أن المفاوضات جرت في ظل واقع ميداني استمر فيه الاحتلال بالتوسّع، ولم تؤد حتى إلى استعادة الخط الذي كانت عليه القوات قبل تلك العمليات. هذه الوقائع تكفي لإظهار أن مسألة الاحتلال أو التوسّع الإسرائيلي لا ترتبط بالضرورة بوجود سلاح مقاومة أو بغيابه، أو بالقناعة بالتفاوض خيار استراتيجي والاستعداد للتفاوض، او بالتموضع تحت السقف الأميركي والاستناد إلى دعم أصدقاء أميركا، وفي كل هذه العناوين إذا كانت القراءة الرسمية اللبنانية صحيحة وليست أوهاماً، كان يجب أن نرى اتفاقاً سورياً إسرائيلياً يترجم بانسحاب إسرائيلي إلى ما وراء خط 9 كانون الأول وهو ما يعادل خط 27 تشرين الثاني للبنان، الذي يرفضه لبنان ويطلب بدلاً منه خط اتفاق الهدنة الموقعة العام 1949، الأمر أولاً وأخيراً في ميزان القوة الذي يسمح بفرض الوقائع على الأرض.