ما بين جذور الحضارات ووهم القوة: قراءة في صراعٍ يتجاوز اللحظة
من هو الأحمق؟
ليس الأحمق من يخطئ تقديراً عابراً، بل من يقارن بين ما لا يُقارن، ومن يضع حضارة ممتدة عبر قرون في مواجهة كيان سياسي حديث العهد وكأن التاريخ يبدأ وينتهي في اللحظة الراهنة. الأحمق هو من يتجاهل سؤالاً بديهياً بسيطاً في ظاهره عميقاً في جوهره: هل يستطيع كيان بلا جذور تاريخية وثقافية أن يصمد طويلاً أمام حضارة ضاربة في عمق الزمن؟
إن التاريخ البشري مليء بالأمثلة التي تكشف خطأ الاعتقاد بأن القوة اللحظية تعني النصر الدائم. فالإمبراطوريات التي بدت يوماً بلا منافس سرعان ما انكسرت حين واجهت سنّة التاريخ التي لا ترحم. لقد سيطرت الإمبراطورية الرومانية قروناً طويلة على مساحات شاسعة من العالم، ومع ذلك انتهت في نهاية المطاف إلى التفكك. وكذلك المغول الذين اجتاحوا الأرض بقوة السيف، ثم تفرقت إمبراطوريتهم بعد زمن قصير نسبياً. وحتى القوى الاستعمارية الأوروبية التي سيطرت على معظم العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين، تراجعت مع صعود حركات التحرر الوطني.
التاريخ إذاً لا ينحاز بالضرورة إلى الأقوى، بل إلى الأكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
ومن هنا تبرز الأسئلة التي يطرحها الواقع المعاصر، أسئلة يتجنبها كثيرون لأنها تكشف الفجوة بين التصور والواقع. فحين تُغتال القيادات أو تُستهدف الرموز، يخرج من يعلن نهاية الحركات التي يمثلونها. لكن هل كان الأمر كذلك حقاً؟
بعد اغتيال الأمين العام لـ حزب الله، السيد حسن نصر الله، طُرح السؤال نفسه: أين الحزب؟ هل انتهى وجوده؟
لكن الواقع أثبت أن التنظيمات التي تمتلك قاعدة اجتماعية وفكرية لا تختفي بمجرد غياب قائدها، مهما كان تأثيره كبيراً.
والسؤال ذاته تكرر بعد استهداف قادة في حركة حماس، مثل يحيى السنوار، ومحمد الضيف، وإسماعيل هنية، إضافة إلى المتحدث العسكري أبو عبيدة.
فهل اختفت الحركة؟ وهل انتهت الفكرة التي نشأت من رحم واقع سياسي واجتماعي معقد؟
التاريخ يشير بوضوح إلى أن الأفكار التي تولد من واقعٍ حيّ لا تموت باغتيال أصحابها. لقد أُعدم المناضل الأرجنتيني Che Guevara، لكن صورته تحولت إلى رمز عالمي للثورة. وأعدم البريطانيون الثائر الهندي Bhagat Singh، ومع ذلك استمرت حركة الاستقلال حتى تحقق هدفها.
الأمر ذاته يُطرح عند الحديث عن حركة أنصار الله في اليمن. فبعد استهداف قيادات حكومية في صنعاء، طُرح السؤال: هل انتهت الحركة؟ أم أنها ما زالت قائمة لأنها تستند إلى واقع اجتماعي وسياسي أوسع من مجرد قيادة سياسية؟
وكذلك الحال في إيران، حيث تُطرح تساؤلات مشابهة حول مستقبل النظام في حال غياب قياداته، ومن بينهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. فهل تنتهي الثورات أو الأنظمة السياسية بموت القادة، أم أن المؤسسات والأفكار التي أنتجتها قادرة على الاستمرار؟
إن التاريخ يميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني.
فالأنظمة والحركات التي تنشأ من فكرة عميقة أو من قاعدة اجتماعية واسعة نادراً ما تختفي بضربة واحدة، لأن الفكرة حين تتحول إلى قناعة جماعية تصبح أكبر من الأشخاص.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل أن الحروب التي تُشن لتحقيق أهداف محددة تتحول أحياناً إلى دائرة استنزاف متبادل إذا لم تحقق تلك الأهداف. وقد رأينا ذلك في تجارب كثيرة، مثل حرب فيتنام، حيث لم يؤد التفوق العسكري الهائل إلى تحقيق الهدف السياسي النهائي.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل الألم في الحروب يكون من جانب واحد؟
فالتاريخ يقول إن الحروب، مهما بدا ميزان القوة فيها مختلاً، تترك آثارها على جميع الأطراف.
والسؤال الذي يتجاوز ذلك كله هو: هل تحققت الأهداف المعلنة من هذه الحروب؟
هل انتهت القدرات العسكرية أو البرامج الاستراتيجية التي استهدفت؟ أم أنها ما زالت قائمة بدرجات مختلفة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بالدعاية السياسية بقدر ما تتعلق بالواقع الفعلي على الأرض. وعندما لا تتحقق الأهداف المعلنة للحروب، تتحول هذه الحروب إلى مصدر للخراب لا أكثر، لأن نتائجها تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المعركة نفسها.
فالعالم اليوم ليس جزرًا منفصلة؛ بل منظومة مترابطة تقوم على شبكة من المصالح والقيم والأنظمة. وأي خلل عميق في هذه الشبكة — سواء كان أخلاقياً أو سياسياً أو اقتصادياً — لا يبقى محصوراً في منطقة محددة، بل يمتد أثره إلى الجميع.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتحرك الشعوب حين تتعرض هذه القيم للاهتزاز؟ أم أنها تبقى أسيرة حالة من السكون والانتظار؟
إن الشعوب عبر التاريخ لم تتحرك دائماً بالسرعة التي يتوقعها البعض، لكنها حين تتحرك يمكن أن تغيّر مسار التاريخ بأكمله. وقد شهد العالم ذلك في حركات التحرر التي أنهت الاستعمار، وفي الثورات الشعبية التي أعادت رسم خرائط السياسة في أكثر من منطقة.

إن المشكلة الحقيقية ليست في نقص المعلومات، بل في ضيق الرؤية. فمن يحصر فهمه لما يجري في إطار السياسة فقط، أو الدين فقط، أو الاقتصاد فقط، قد يعجز عن رؤية الصورة الكاملة. فبعض الصراعات المعاصرة تتجاوز هذه التصنيفات الضيقة، لأنها تمس منظومة القيم العالمية ذاتها.
ولهذا يرى كثيرون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع سياسي تقليدي، بل صراع يعيد طرح أسئلة أساسية عن العدالة والهيمنة والحق والباطل. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح العالم وكأنه يقف أمام مفترق طرق أخلاقي، حيث تتحدد المواقف ليس فقط بالمصالح، بل أيضاً بالمبادئ.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم الذي يكرره التاريخ:
القوة قد تصنع تفوقاً مؤقتاً، لكنها لا تضمن الاستمرار. أما الاستمرار فيصنعه الإيمان بالفكرة، والقدرة على الصمود، والجذور العميقة التي تربط الشعوب بتاريخها وهويتها.
ولهذا يمكن تلخيص الفكرة كلها كالأتي:

قد ينتصر السيف زمناً، لكن التاريخ في النهاية يكتبه من يملك الجذور والصبر معاً.

فاتنة علي_لبنان