لم تكن أي من دول المنطقة مؤيدة لنشوب هذه الحرب، بل فوجئت بها كما فوجئت القوى الدولية، لأنها تدرك أن اندلاعها يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات التي لا يمكن التحكم بها. ورغم ذلك، يبني كثير من المحللين قراءاتهم على فرضية أن إيران تخوض جولة تكتيكية ستنتهي بمجرد أن تقرر الولايات المتحدة وقف الحرب. غير أن المؤشرات السياسية والميدانية تشير إلى عكس ذلك، وتوحي بأن طهران تتعامل مع هذه المواجهة باعتبارها محطة مفصلية لا مجرد جولة عابرة.
تشهد منطقة غرب آسيا اليوم واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ عقود، حيث تتقاطع مصالح ثلاث قوى رئيسية — إيران، الكيان الإسرائيلي، والولايات المتحدة — في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. ورغم تعدد ساحات الاشتباك، إلا أن جوهر الصراع يمكن فهمه من خلال ثلاثة عناصر استراتيجية تشكل معيار القوة الحقيقي لأي طرف: القدرة على الإيذاء، القدرة على استيعاب الخسائر، ومصيرية نتائج المعركة.
هذه العناصر الثلاثة هي التي تحدد اتجاه الصراع، وتفسر سلوك الأطراف، وتكشف لماذا يبدو بعضهم مستعداً للذهاب بعيداً، بينما يسعى آخرون إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

أولاً: القدرة على الإيذاء — ميزان الردع الحقيقي

تُعد القدرة على إلحاق الأذى بالخصم معياراً مركزياً في أي صراع.
إيران ومحور المقاومة يمتلكان اليوم قدرة متنامية على الإيذاء تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، عبر ترسانة صاروخية متطورة، وقدرات حرب غير متماثلة، وانتشار جغرافي متعدد الجبهات، وأدوات ضغط على المصالح الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، يعتمد الكيان على التفوق الجوي والدعم الأمريكي لتعويض محدودية عمقه الجغرافي، فيما تعتمد الولايات المتحدة على شبكة قواعدها المنتشرة في المنطقة. غير أن الطرفين يشتركان في مشكلة بنيوية واحدة: نقص العتاد الدفاعي والهجومي القادر على التعامل مع طبيعة الأسلحة المستخدمة في هذه الحرب. فاعتماد الكيان الكلي على الولايات المتحدة يجعله يتأثر مباشرة بأزماتها اللوجستية، بينما تواجه واشنطن نفسها تحدياً متزايداً في توفير منظومات دفاعية فعّالة وبكميات كافية لحماية قواعدها من هجمات دقيقة ومنخفضة الكلفة، وهو ما يضع الطرفين أمام معضلة مشتركة في إدارة الاستنزاف المتصاعد.
وهنا يتضح الفارق الجوهري بين الموقف الأمريكي وموقف الكيان. فبينما يسعى الكيان إلى مواصلة الحرب مستنداً إلى السلاح والقدرات الأمريكية الهائلة، وبغضّ النظر عن حجم الخسائر التي قد تتكبدها واشنطن، تتعامل الولايات المتحدة مع الصراع بمنطق مختلف تماماً. فالكيان يخوض معركة يعتبرها وجودية ولا يرى بديلاً عن استمرارها مهما كانت الكلفة، في حين تتردد واشنطن في الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تستنزف قدراتها وتبدد مواردها في معركة لا تحمل لها الوزن الوجودي نفسه. هذا التباين في طبيعة الرهانات يجعل الكيان أكثر ميلاً للتصعيد، بينما تدفع الولايات المتحدة نحو ضبط الإيقاع وتجنب الانخراط في مواجهة شاملة لا تخدم أولوياتها الاستراتيجية.

ثانياً: القدرة على استيعاب الخسائر — الفارق بين الدول والجماعات

لا تقل هذه القدرة أهمية عن القدرة على الإيذاء. فالأطراف التي تستطيع امتصاص الضربات ومواصلة القتال هي التي تملك زمام المبادرة في الحروب الطويلة.
إيران تمتلك بنية سياسية وأمنية قادرة على امتصاص الخسائر دون انهيار داخلي، فيما تتمتع قوى المحور في لبنان والعراق واليمن بخبرة طويلة في الحروب غير التقليدية وقدرة على تحمل كلفة المواجهة.
في المقابل، يعاني الكيان الإسرائيلي من هشاشة داخلية تجعل أي خسائر كبيرة تهدد تماسكه الاجتماعي والسياسي.
أما الولايات المتحدة، فإلى جانب القيود الداخلية، تواجه تحديات استراتيجية متراكمة تجعل قدرتها على تحمل الخسائر في حروب بعيدة جغرافياً محدودة. فهي تخوض في الوقت نفسه صراعاً على موقعها داخل النظام العالمي الجديد، وتتعامل مع نتائج تراجع مكانتها الدولية، إضافة إلى خسارتها الحرب التجارية أمام الصين وما ترتب عليها من ضغوط اقتصادية وسياسية. كما أن انشغالها بجبهات أخرى في أوروبا وآسيا يحدّ من قدرتها على تخصيص الموارد اللازمة لصراع طويل في غرب آسيا، الأمر الذي يجعل كلفة الاستمرار في الحرب أعلى بكثير مما كانت عليه في مراحل سابقة من تاريخ الهيمنة الأمريكية.
هذه الفوارق تجعل ميزان الاستنزاف يميل تدريجياً لصالح المحور.

ثالثاً: مصيرية نتائج المعركة — اختلاف دوافع الأطراف

بالنسبة لإيران، تحمل نتائج المعركة طابعاً وجودياً يرتبط بمستقبل مشروعها الإقليمي القائم على بناء فضاء تعاون مشترك بين دول المنطقة، فضاء قادر على إدارة نفسه بعيداً عن التدخلات الخارجية، وبما يضمن منع خصومها من تطويقها أو فرض معادلات تحدّ من نفوذها.

أما بالنسبة للكيان، فالمعركة مصيرية بكل معنى الكلمة، إذ ترتبط بقدرته على البقاء في بيئة معادية.
أما الولايات المتحدة، فالصراع بالنسبة لها ليس وجودياً، لكنه يمسّ مكانتها العالمية وقدرتها على الحفاظ على نفوذها في منطقة استراتيجية.

إيران والكيان: لماذا لا تسعى طهران إلى معركة صفرية؟

رغم تصاعد التوتر، لا تبدو إيران معنية بخوض معركة صفرية تهدف إلى إزالة الكيان مباشرة. فطهران تدرك أن الكيان مرتبط عضوياً بالوجود الأمريكي، وأنه لا يمتلك مقومات البقاء دون مظلته العسكرية والسياسية والاستخباراتية. ومن هذا المنطلق، ترى إيران أن استنزاف الوجود الأمريكي وتقليص نفوذه في المنطقة يحقق الهدف ذاته من دون خوض حرب شاملة، إذ إن خروج واشنطن سيترك الكيان مكشوفاً أمام بيئة إقليمية معادية، ويضعه في مواجهة معادلة وجودية لا تحتاج معها طهران إلى معركة مباشرة. كما أن الحرب الصفرية مكلفة وغير ضرورية، لأنها ستستجلب تدخلاً دولياً واسعاً وتعيد توحيد الغرب خلف الكيان، بينما يتيح المسار الحالي لإيران تحقيق أهدافها بتكلفة أقل وفاعلية أكبر.

المرحلة التالية: من السماء إلى الأرض

كما تشير الوقائع إلى أن إيران لا تسعى إلى حلول مرحلية ولا إلى العودة إلى ما قبل الحرب، فإن المؤشرات توحي أيضاً بأنها لن تبقى طويلاً في دائرة ردّ الفعل. فبعد مرحلة «إعماء» الرادارات ومراكز الاتصالات وغرف العمليات في قواعد الولايات المتحدة والكيان، واستنزاف جزء كبير من ذخائر الدفاع الجوي والمنظومات الاعتراضية، يبدو أن طهران تتهيأ للانتقال إلى مرحلة مختلفة نوعياً في إدارة الصراع.
أغلب الظن، وما يرجّحه هذا التحليل، أن المعركة ستُنقل تدريجياً إلى الساحة التي يبرع فيها محور المقاومة، حيث يُستثمر الامتداد الجغرافي المعروف والمدروس لملايين المقاتلين الذين يُعدّون من بين الأكثر أهلية وعقائدية وخبرة واستعداداً للتضحية في العالم. إنها ساحة الحرب البرية غير المتناظرة، وحرب العصابات، في بيئات اجتماعية وسياسية وطبيعية تلفظ الوجود الأمريكي والإسرائيلي ومن يتعاون معهما، وتحوّل الأرض نفسها إلى عنصر مقاومة.
في هذه الساحة، لا تمتلك الولايات المتحدة ولا الكيان التفوق نفسه الذي ينعم به في الجو والبحر، خاصة إذا خيضت المعركة بمنطق حرب الغوريلا، وبإيقاع استنزاف طويل لا يناسب بنية الجبهة الداخلية لدى الطرفين. وإذا كانت نتائج الجولة الأولى من الصراع، في ميادين التفوق الجوي والتقني، قد تمخضت عن فشل ذريع في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المعلنة، فإن الدخول في المرحلة البرية المقبلة سيكون، على الأرجح، كارثة استراتيجية للولايات المتحدة، مرحلة ينبغي لها — إن أحسنت القراءة — ألا تقترب منها.

العناصر المحيطة بالصراع: دول المنطقة والمزاج العالمي

دول المنطقة: بين الحليف المتحفظ والحليف المكره

تتوزع دول المنطقة بين حلفاء للولايات المتحدة يفضلون البقاء خارج دائرة الاشتباك، وحلفاء آخرين وجدوا أنفسهم منخرطين في المعركة مكرهين، ويدفعون أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة في صراع لا يعنيهم مباشرة. بل إن بعضهم مهدد بنتائج الحرب أكثر من غيره، لأن انتصار الكيان سيطلق يده في مشاريع توسعية وتقسيمية تمسّ استقرار هذه الدول ووجودها السياسي، وتمنحه القدرة على فرض وقائع جديدة تتجاوز حدود ما يستطيع ابتلاعه أو السيطرة عليه.

المزاج الدولي: حرب غير مشروعة في كل جوانبها

العنصر الآخر المحيط بالصراع هو المزاج الدولي الذي ينظر إلى هذه الحرب باعتبارها حرباً غير مشروعة في كل جوانبها، لا مجرد تجاوزات جزئية. فهي تعبير صارخ عن الاستهانة بالقوانين والأعراف الدولية، وبالنظام العالمي الذي نشأ من ويلات الحربين العالميتين بهدف منع تكرار مثل هذه الانفجارات العنيفة.
كما أن استمرار الحرب يهدد مصالح دول كبرى ترى في التصعيد خطراً على حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، فيما قد ينسجم نجاح إيران في فرض معادلة ردع جديدة مع مصالح قوى دولية تسعى إلى نظام عالمي أكثر توازناً، بل وقد يخدم — بشكل غير مباشر — المصالح المشروعة للولايات المتحدة نفسها إذا ما أدى إلى تقليص كلفة انخراطها العسكري في المنطقة.

خاتمة: المنطقة أمام مرحلة جديدة

تبدو المنطقة مقبلة على تحولات استراتيجية عميقة.
المعادلة الحاكمة للصراع — الإيذاء، الاستيعاب، المصير — تشير إلى أن:

إيران مستعدة للذهاب بعيداً لأنها تعتبر المعركة وجودية

الكيان يخوض معركة مصير

الولايات المتحدة تحاول تجنب حرب شاملة لأنها لا تخوض معركة وجود

أما العناصر المحيطة — من مواقف دول المنطقة إلى المزاج الدولي — فتضيف طبقات جديدة من التعقيد، وتؤثر في مسار الصراع بقدر ما تتأثر به.

المرحلة المقبلة ستتحدد وفق قدرة الأطراف على الصمود، وشكل التدخلات الدولية، ومدى اتساع رقعة الاشتباك، وقدرة المحور على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة.
وما هو مؤكد أن المنطقة لن تعود إلى ما قبل هذه الحرب، وأن التوازنات التي ستنتج عنها ستعيد رسم الخريطة الاستراتيجية لسنوات طويلة.
سائد عساف
٩ اذار ٢٠٢٦