خديعة «الذريعة» وسقوط الأقنعة: الحرب كانت آتية.. بالصواريخ أو بدونها!
د. ليندا غدار

يمرّ وطننا لبنان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأصعب منذ عقود، منعطف لا يحتمل الترف الفكري أو المناكفات السياسية الضيقة. إنّ ما نشهده من عدوان غاشم على الجنوب والبقاع وضاحية بيروت، ليس مجرد ردّ فعل عابر، بل هو تنفيذ لمخطط “إسرائيلي” توسعي قديم ـ جديد، وُضع على الطاولة قبل وقت طويل من إطلاق أيّ صاروخ.
أولاً: كذبة “السبب والنتيجة”
قراءة في الوقائع الميدانية

يحاول بعض الإعلام الموجه، عبر استضافة محلّلين يتبنّون السردية الانهزامية، إقناع اللبنانيين بأنّ صواريخ المقاومة هي التي جرّت الويلات وهجّرت أهلنا. لكن الوقائع على الأرض تدحض هذا الزيف:
1 ـ نكث العهود: التزمت المقاومة بوقف إطلاق النار وبقواعد الاشتباك لفترة تجاوزت السنة ونصف السنة، بينما لم يتوقف العدو يوماً عن خرق الأجواء، واغتيال الكوادر، وقصف القرى الحدودية. الصمت الدولي تجاه هذه الخروقات كان الضوء الأخضر للعدو للاستمرار.
2 ـ الحشود المسبقة: تؤكد المعلومات الميدانية والتقارير الاستخبارية أنّ جيش الاحتلال حشد أكثر من 100 ألف جندي على حدودنا قبل أسابيع من التطورات الأخيرة. هذا التحشيد الضخم لا يتمّ “رداً” على بضعة صواريخ، بل هو استعداد لعملية اجتياح مبرمجة كانت تنتظر “الساعة الصفر” فقط.
3 ـ توقيت آذار: إنّ إطلاق المقاومة للصواريخ مؤخراً لم يكن سبباً للحرب، بل كان خطوة استباقية كاشفة لمخطط كان سيُنفذ في شهر آذار الحالي، يستهدف لبنان وإيران معاً ضمن رؤية “نتنياهو” لتغيير وجه المنطقة.
ثانياً :فخ “التوقيت”
وشيطنة القرار السيادي

يتوقف الكثيرون عند تزامن ردّ المقاومة مع اغتيال الشهيد القائد (المرشد)، ليشنوا حملة إدانات تتهم المقاومة بالارتهان للقرار الإيراني، معتبرين أنّ هذا التوقيت هو “الخطيئة” التي أعطت العدو الذريعة. لكن القراءة السطحية للأحداث تخدم أجندة المشككين فقط، فالحقيقة أنّ القرار الصهيو ـ أميركي كان قد حُسم بالفعل لضرب “إيران وحزب الله” في آن واحد ضمن عملية مركبة.
إنّ ردّ المقاومة في هذا التوقيت لم يكن تنفيذاً لأجندة خارجية، بل كان إدراكاً استراتيجياً بأنّ المعركة أصبحت “وجودية وشاملة”. عندما يعلن العدو بوضوح أنه يستهدف تجفيف منابع القوة في المنطقة ككلّ، يصبح الدفاع عن العمق هو دفاع عن الجبهة الأمامية في الجنوب اللبناني. إنّ وحدة المصير التي فرضها العدو باستهدافاته العابرة للحدود، فرضت بالضرورة ردعاً يتناسب مع حجم التهديد. فمن يتهم المقاومة بالارتهان يغفل عن حقيقة أنّ العدو لم يكن ليوفر لبنان لو بقيت المقاومة صامتة، بل كان صمتها سيُغري المحتلّ باستفراد الجبهات واحدة تلو الأخرى.
ثالثاً: التوسّع…
عقيدة لا تحتاج لمبرّرات

يجب أن ندرك جميعاً، مسلمين ومسيحيين، أنّ الأطماع الإسرائيلية في أرضنا ومياهنا هي عقيدة ثابتة. وما تصريحات الإدارة الأميركية السابقة والحالية، وتلميحات ترامب بأنّ “مساحة إسرائيل ضيقة وتحتاج للتوسع”، إلا مباركة علنية لهذا المشروع. إنّ العدو الذي يحلم بـ “إسرائيل الكبرى” لا ينتظر ذريعة ليجتاح؛ فإذا لم يجدها، اخترعها.
رابعاً: سقطة الدبلوماسية
وارتهان القرار الرسمي

من المؤسف أن نرى السلطة السياسية ورئاسة الجمهورية، المحكومين بضغوط إملاءات السفارات، لا يزالون يراهنون على “سراب” الدبلوماسية الدولية.
*الدبلوماسية “كذبة كبيرة”: أثبتت التجارب أنّ الرهان على الوعود الأميركية ليس سوى تضليل لتمهيد الطريق للعدوان.
*غياب الموقف الرسمي: نستنكر بشدة مواقف الحكومة التي تبدو عاجزة وقابلة عبر الصمت، بدلاً من دعم خيار الصمود الشعبي والعسكري في وجه احتلال يريد ابتلاع الجنوب. إنّ الجيش والشعب والمقاومة هم المثلث الوحيد الذي يحمي سيادة لبنان، في ظلّ غياب أيّ تصدٍّ رسمي حقيقي للاعتداءات.
صرخة وعي
قبل فوات الأوان

إنّ التاريخ لن يرحم المتردّدين، وسيذكر جيداً هل وعى الشعب اللبناني ـ بجميع أطيافه ـ حقيقة هذا العدو أم سقط في فخ التضليل؟ إنّ هذا الكيان، ومن خلفه القوى الكبرى، لن يقبلوا يوماً أن يكون لبنان بلداً طلائعياً أو منارة تنموية في الشرق. لن يسمحوا لنا بالانتفاع من ثرواتنا ومواردنا الطبيعية التي هي ملك لأجيالنا القادمة. واسألوا أنفسكم: لماذا تبني الولايات المتحدة ثاني أكبر سفارة لها في المنطقة فوق أرض أصغر بلد في الشرق الأوسط؟ أليست هذه القلعة الحصينة دليلاً على حجم الأطماع وسرقة المقدرات؟
إنها صرخة لكلّ لبناني حر: استيقظوا! إنّ الوحدة مع من يحمل روحه على كفه ليدافع عن تراب الجنوب اليوم ليست خياراً سياسياً، بل هي نداء الأرض والكرامة.

وعلينا أن نكون صريحين مع أنفسنا ومع مؤسّستنا العسكرية التي نحب؛ فانسحاب الجيش من مناطق المواجهة أو عدم تصدّيه المباشر ليس ناتجاً عن قلة شجاعة ضباطه وجنوده، بل لأنّ “الدولة” الضعيفة والخاضعة وأميركا لم تسمح له بامتلاك السلاح المتقدم الذي يردع المعتدين. لقد أراد الأميركي للجيش أن يكون أداةً لمواجهة الداخل وضرب المقاومة التي قدمت الدماء طيلة سنوات للحفاظ على الأرض، بدلاً من أن يكون سداً منيعاً في وجه الأطماع الخارجية.
إلى أولئك الذين يتوهّمون أنّ “العدو” قد يكون مخرجاً أو حلاً لأزمات لبنان: إنّ من يقتلع الشجر ويقتل البشر ويهدم الحجر، لا يجلب معه إلا الخراب. المقاومة التي تدافع اليوم هي الضمانة الوحيدة لكي يبقى لنا وطن نختلف فيه أو نتفق.
يا شعب لبنان العظيم… إنّ العدو يطمع في أرضنا جميعاً، والرهان على الخارج هو انتحار جماعي. فلنتحد خلف حقنا، ولنحفظ دماء من يبذلون أنفسهم ليبقى لبنان…