حين تبتسم الضحية للقبح!

ابراهيم مصطفى

يبدأ الانحدار الحقيقي للأمم ليس من لحظة الهزيمة العسكرية، بل من اللحظة التي يولد فيها ما يمكن تسميته إلفة القبح… والقبح هنا لا يقتصر على المظهر البصري للمدن، بل هو قبح السلوك، وفساد المنطق، وتراجع القيم. إنها الحالة التي يتصالح فيها الإنسان مع المشهد المشوّه، فيكفّ عن محاولة إصلاحه، ويبدأ في إيجاد مبرّرات لجمالٍ متخيَّل، أو على الأقلّ، لضرورة التعايش معه بوصفه أمرًا واقعاً…
إنّ إلفة القبح هي عملية تخدير بطيئة للحواس. في البداية، يثير الخطأُ اشمئزازنا، ويستفز الظلمُ غضبنا، وتؤلمنا رؤية الحقوق وهي تُسلب جهاراً. لكن، ومع تكرار المشهد يومياً، تبدأ حواسنا في بناء جدار حماية ضدّ الألم…. نتوقف عن الملاحظة، ثم نتوقف عن الانزعاج، وصولاً إلى المرحلة الأخطر: أن نعتبر هذا القبح هو الأصل وما عداه هو اليوتوبيا أو الخيال. هنا، يصبح الفساد مجرد شطارة، والتبعية مجرد واقعية، والجهل مجرد وجهة نظر تُحترم عَبثاً.
تكمن خطورة هذه الألفة في أنها تقتل الخيال قبل أن تقتل الإرادة… فالإنسان الذي يألف القبح لا يعود قادراً على تصوّر الجمال، والمجتمع الذي يعتاد العيش في الأزمات ينسى كيف تبدو الحياة الطبيعية تماماً… تصبح طموحاتنا مقزّمة، وتنحصر أحلامنا في كيفية تحسين ظروف السجن بدلاً من التفكير في تحطيم الجدران فكراً وعملاً. إنها العبودية الطوعية التي تأتي مغلفةً برداء التعقل، بينما هي في جوهرها استسلام كامل لتشويه الفطرة الإنسانية التي جُبلت على طلب السموّ دائماً…
إنّ مواجهة إلفة القبح تتطلب ما هو أكثر من مجرد الغضب العابر؛ إنها تتطلب يقظة جمالية وأخلاقية مستمرة. تتطلب أن نرفض تسمية الأشياء بغير أسمائها، وأن نظلّ نشعر بالوخز في كلّ مرة نرى فيها اعوجاجاً سلوكياً أو سياسياً…. الشفاء يبدأ باستعادة حاسة الرفض، وبإدراك أنّ الاعتياد على القبح هو أول مسمار في نعش الكرامة. فإذا أردنا أن نستعيد جودة حياتنا، علينا أولاً أن نستعيد قدرتنا على الاشمئزاز، ورفض تحويل الكارثة إلى روتين يوميّ نبتسم له صباحاً…