لجأت إيران منذ الأزمة التي نتجت عن الهجوم الغربي على برنامجها النووي الذي كانت العقوبات الأميركية والأوروبية أقسى تعبيراته، إلى التفاوض واعتباره الطريق المثالي لحل الخلافات وطمأنة الهواجس الغربية في حال كانت القضية نابعة من قلق جدّي من وجود سعي إيراني ضمنيّ لامتلاك سلاح نووي، وتقديم الضمانات اللازمة لتحقيق هذه الطمأنة، مقابل رفع العقوبات الغربيّة عن الاقتصاد الإيراني، وإيران لم تكابر يوماً في الزعم بهامشية أثر هذه العقوبات على اقتصادها، بل كانت تركز على مظلوميتها وتعريضها لمخاطر اقتصادية غير مشروعة بإجراءات أحادية من خارج القانون الدولي، وتبيان حجم الأذى الذي يلحق بالشعب الإيراني جراء العقوبات.

لم يكن التباين في فهم أثر العقوبات بين إيران وخصومها في الغرب وعلى رأسهم واشنطن، ومن خلالها تل أبيب، حول أن العقوبات تتسبب بإرهاق قدرة الإيرانيين على الحياة، بل كان التباين حول تقدير غربي تعتبره إيران مبالغة في غير مكانها، محوره أن العقوبات سوف تنتج نصاباً إيرانياً شعبياً وسياسياً كافياً لقلب النظام، بينما كان تقدير إيران أن العقوبات سوف تتسبّب بإضعاف استقرار العملة الايرانية، والتسبب بغضب التجار الإيرانيين، وبصورة خاصة تجار السلع المستوردة وخصوصاً الإلكترونيات مثل أجهزة الكمبيوتر والهاتف التي تشكل حاجات ضرورية لكل الإيرانيين، وكان سعي إيران لتحييد السلع الأساسية عن التأثر بسعر صرف العملات بما في ذلك الكهرباء والمحروقات والدواء والغذاء والسكن والنقل، ويعترف الغرب بنجاح كبير لإيران على هذا الصعيد.

خلال سنوات العقوبات شهدت إيران حراكات احتجاجيّة عديدة، كان أضخمها وأوسعها تأثيراً، الحراك الذي تمّ بقيادة التيار الإصلاحي عام 2008، ومن بعده الحراك الذي انطلق إثر حادثة مهسا أميني، وقد استند الحراكان وغيرهما من الحراكات الاحتجاجيّة إلى النتائج الاقتصادية للعقوبات وما خلفته من غضب شرائح من الشعب الإيراني، واندمجت الفئات الأشدّ تطرفاً في العداء للنظام الإيراني داخل الحراكين وسعت لأخذهما إلى سقوف سياسية تصادمية مع النظام وقادت أعمال تخريب وشغب ونظمت أعمال عنف كثيرة في قلب هذين الحراكين، لكن النتيجة كانت نجاح إيران باحتواء الحراكين والحؤول دون نشأة وضع سياسي أمني يهدد الاستقرار العام للنظام بالخطر، ويفتح مسار أزمة تخرج عن نطاق السيطرة، وانتهى كل من الحراكين باعتراف الغرب بالفشل، بالرغم من أنه بذل في المرتين جهوداً أمنية واستخبارية هائلة وأنفق أموالاً طائلة وسخر قدرات إعلامية ضخمة للدفع باتجاه أزمة مفتوحة، مستنداً إلى ما سبق له من تاسيسه إقليمياً من حالة عداء وتصادم مع إيران شكلت حاضنة للأنشطة التي استهدفت إيران.

اختبر الأميركيون والإسرائيليون خيار الحرب على خلفية العقوبات، وكانت المرة الأولى التي يعرف من خلالها الإيرانيون ويعرف أعداؤهم أن الحرب ليست وصفة مناسبة لتفجير إيران من الداخل، حيث يشهد الجميع بحجم الوحدة التي أظهرها الإيرانيون في وجه الحرب بكل ألوانهم السياسية، بحيث بدا واضحاً أن مسار إسقاط النظام في إيران إذا كان مفتوحاً فهو لا يمرّ من بوابة الحرب عليها، ولذلك تراجع الأميركيون عن المضي قدماً في الحرب عندما لمسوا أن الرد على استهداف إيران لقيادتهم المركزية في قطر سوف يدخلهم في حرب استنزاف قد يخسرون فيها رجالاً وعتاداً، ما يجعل الحرب بلا أفق، وربما يمنح إيران فرصة الفوز بالنقاط عبر قدرة الصمود وتحويل الحرب إلى حرب وطنية للدفاع عن إيران، خصوصاً بعد الصورة البشعة لأميركا و”إسرائيل” عالمياً، وإيران جزء من هذا العالم، على خلفية حرب الإبادة في غزة والدعم الأميركي المعلن لهذه الحرب.

في حراكي الإصلاحيين عام 2008 وحادثة مهسا أميني كانت السياسة حاضرة بقوة، بصورة معاكسة لحضورها اليوم، حيث كل امتداد لأميركا و”إسرائيل” مدان أخلاقياً ووطنياً ودينياً، بينما كانت حينها قوى سياسية إيرانية ذات نفوذ تقود الحراك، مستفيدة من الشرخ بين الإصلاحيين والمحافظين، بينما يمكن القول اليوم إن الاحتجاجات التي تشهدها إيران على خلفية أثر العقوبات والأزمة الاقتصادية، أضعف زخماً وأقل سياسة خصوصاً مع وجود الإصلاحيين في الحكم، وتمسك المحافظين بالدفاع عن النظام، وفي ظل تبدلات الإقليم القلق من حجم التوحش الإسرائيلي ودرجة الاستخفاف الأميركي بمصالح أنظمة المنطقة أمام العدوانية الإسرائيلية، ما يجعل الاحتجاجات الحالية رغم ظهور بعض محاولات التسييس وأعمال الشغب، أدنى مرتبة من الحراكين السابقين وأقل قدرة على تشكيل منصة صالحة للاستثمار بدفع الأمور للخروج عن السيطرة.

ثمة من يقول بفرضية تكرار النموذج السوري في إيران، وفي ذلك جهل عميق بالفوارق، فالعامل المفصلي في سورية في الاصطفافات التي انتهت بسقوط النظام يرتكز على وجود حاضن إقليمي ضخم على الحدود هو تركيا، ووجود بيئة مذهبية مستنفرة جرى توظيفها وشد عصبها بمشاركة عربية في بلد لا يملك من الموارد بعضاً من قدرات إيران التي تتيح لها نوعاً من الاكتفاء الذاتي الغذائي والدوائي إضافة لكثير من الحاجات الرئيسية والخدمات الأساسية المدعومة من الدولة كالكهرباء والمحروقات، والفارق الكبير هو أن نجاح المشروع الأميركي العربي التركي بتصوير النظام في سورية كحكم للأقلية المذهبية، كان مفتاح النجاح في إسقاط النظام بدعوة الغالبية المذهبية للالتفاف وراء خطة الإسقاط، والوضع في إيران عكسي تماماً، حيث يمكن في أسوأ الاحوال نشوء جزر طرفية بين الأقليات تناوئ النظام لكن الغالبية القومية والدينية سوف تتماسك في هذه الحالة أكثر وراءه ودفاعاً عنه.