– لم يعد من أهمية للنقاش والتحليل في المشهد الذي أرادته المؤسسة الأميركية الحاكمة عرضاً للتفوق والقدرة على الإبهار بعملية متقنة استخبارياً وتكنولوجياً في السيطرة على الأجواء الفنزويلية وتعطيل الدفاعات والاتصالات والكهرباء واختراق منظومة الحماية الرئاسية وصولاً لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده مكبّلاً إلى نيويورك، فقد حدث للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته ومؤسساته الأمنية والعسكرية ما أرادوا، وقدموا عرضاً للقوة يستطيعون زرع الذعر والرعب من خلاله في نفوس قادة الدول الحليفة والعدوة التي لا تملك ما يتيح لها الردع الصاروخي والنووي باستهداف مناطق الوجع الأميركي رداً على أي مشاغبة من هذا النوع.
– يعرف الرئيس ترامب وأركان إدارته أن ما جرى على أهميته لا يكفي لتحقيق الأهداف التي أعلنها ترامب وعلى رأسها كما قال السطو على النفط الفنزويلي، الذي بات بالنسبة لترامب كلمة سحرية يراهن عليها بعدة اتجاهات، فهي بوليصة التأمين التي يحتاجها لضمان سندات الدين التي لا ضمان راهن لها ولا لمزيد يفرض الحاجة إليه حجم العجز الناتج عن الإنفاق الحربي وخدمة الدين المتراكم، والنفط الفنزويلي فرصة مصافي السواحل الأميركية على خليج المكسيك للعودة للعمل وتصدير كميات ضخمة من النفط، ووسيلة لتتمكن من الاستغناء عن النفط الخليجي في أسواق أوروبا والإمساك بها لحساب الشركات الأميركية، وفنزويلا قادرة على بلوغ إنتاج بحجم الإنتاج السعودي وأكثر لأن حجم احتياطها هو الأضخم في العالم كله، لكن كل ذلك يحتاج إلى سيطرة تملك الشرعية عبر نظام حكم تابع في فنزويلا، والعملية لا تكفي لتحقيق هذا الهدف.
– ثمة أربع طرق لبلوغ هذا الهدف، الأولى إخضاع ما بقي من النظام الحالي للمشيئة الأميركية، وضمان استمرارية سيطرته على الأوضاع بعد الاستسلام، والثاني حدوث انقلاب أو انشقاق عسكري يتسنى له إمساك السلطة في البلاد، والطريق الثالث انطلاق انتفاضات شعبية تحاصر الحكم الحالي وصولاً لإسقاطه وإيصال حكم معارض يقبل بمنح أميركا ما تريد، أما الطريق الرابع فهو احتلال فنزويلا وتنصيب حكم عميل ينفذ التعليمات، والواضح أن لكل من الاحتمالات الثلاثة الأخيرة تعقيداتها، ولذلك تم تجنب سلوكها رغم أن التوقيت المثالي لذلك هو لحظة الإعلان عن اختطاف الرئيس وما خلف ذلك من ارتباك وتشويش وضياع، ويبدو التركيز على إخضاع النظام القائم ورموزه. وهذا معنى حديث الرئيس ترامب عن نائبة الرئيس الفنزويلي إلى حد الإيحاء بأن عملية اختطاف رئيس تمّت بمعرفتها أو مشاركتها، لكن المؤتمر الصحافي لنائبة الرئيس نسف كل هذه المقولة وأظهر موقفاً صلباً يؤكد مواصلة نهج مادورو، ما استدعى من ترامب إصدار تصريحات تهدّدها بمصير أسوأ من مصير مادورو، ملوحاً بالقتل.
– سوف تمضي أيام وأسابيع ربما لمنح هذا الخيار فرصة كاملة، لكن يجب فهم الوضع الفنزويلي من خلال مؤشرات أخرى، مثل صمت المعارضة التقليدية التي كانت تنافس على الانتخابات الرئاسية، واعتبر ترامب أنها فازت وأن مادورو لجأ للتزوير لإسقاط مرشحها، متحدثاً عن 80% من التأييد الشعبي للمعارضة، فكيف تغيب عن المشهد هذه المعارضة التي يفترض ترامب أنها ستهلل لاختطاف خصمها الذي خطف منها الرئاسة، فلا بيانات ولا مظاهرات ولا احتفالات، باستثناء ما جرى في أميركا بين بعض أبناء الجالية المهاجرة من فنزويلا ومن مؤيدي أميركا والمساندين لغزو بلادهم، كحال بعض أبناء الجاليتين الكولومبية والكوبية، السبب واضح وهو أن الخلاف على طبيعة النظام وتحالفاته بما فيها الموقف من أميركا لا يسمح لأحد أن يبيع البلد لأميركا كما يريد ترامب، إلى حد يبدو أن ترامب لن يجد إلا ماريا ماتشادو مستعدة لمنح النفط لأميركا ومنح “إسرائيل” الأمن، وقد قال ترامب عن بؤس حالها أنها لا تحظى بالقبول في بلدها.
– مشكلة اليوم التالي التي واجهت أميركا في عهد حروب ترامب تتكرّر، فالإبهار الناري والتكنولوجي والإنجازات التكتيكية لا تكفي لحسم الحرب، فكيف سوف يحسم، إن لجأ إلى الغزو البري أو تحريك وتمويل ثورة ملونة، أو انشقاق أو انقلاب عسكري، فإن سقف ما سوف يحصل عليه هو فوضى فنزويلية، تتوزع فيها السيطرة على البلد، حيث سوف يبقى من يحمل السلاح ويقاتل الأميركي ومَن يقف معه، وهذا تاريخ أميركا اللاتينية طوال أكثر من قرن، وإن نجح إخضاع رموز النظام القائم سوف يحدث الشيء نفسه، وما فعله ترامب سوف يتبين سريعاً أنه غرق في مستنقع لن يسمح لسائر أحلام ترامب بالتحقق، لا في كوبا ولا في كولومبيا، والعالم كله يراقب المشهد اليوم وليس هناك مَن يستطيع المفاخرة بالوقوف مع عمل إجرامي عدواني يصعب أن يجد مَن يؤيده داخل أميركا، وقد سمعنا مؤيدين لترامب ينددون بالعملية بالحديث عن نظام مادورو المحافظ الذي يحظر المثلية وتغيير الجنس ويمنع الإجهاض والربا، وروسيا والصين لم تقولا بعد كل ما يجب، بانتظار رؤية ما سيحدث في قادم الأيام.
– الأكيد أن العدوان على فنزويلا كان أول ترجمة لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة، التي أعلنت الانكفاء من جبهات الحروب عبر العالم لفرض الهيمنة على المدى الحيوي المباشر للأمن الأميركي في القارة الأميركية، وذلك نتيجة اليقين باستحالة مواصلة خوض حروب لا نهاية لها كما قالت الوثيقة، ولذلك يخطئ مَن يقرأ ما جرى كمقدمة لغزوات أبعد من القارة الأميركية، بل لعل العملية الأميركية رسالة عدم ممانعة للصين وروسيا بفعل المثل مع الجار المزعج لكل منهما، ولو كان حليفاً لأميركا، ومبدأ مونرو الذي كان صالحاً عندما كانت أميركا تنهض بقوتها كأول خطوة خارج الحدود استعداداً للتوسع عالمياً بعد الحرب العالمية الثانية، لا تصلح العودة إليه بعد الهروب من حروب العالم بسبب الفشل، لأن الفشل لم يكن بسبب بُعد المسافة، بل بسبب قصر النظر.
ناصر قنديل
