عندما يصطدم أي نصر بإرادة الشعوب؛ فاعلم أنه نصر مزيف !!!

يحاول النظام الدولي “المهيمن”، عبر آلاته الإعلامية الهائلة ومشاريعه الجيوسياسية المصممة بعناية، أن يرتدي في كل منعطف عباءة “البطل الخارق”. يسعى إلى تحويل لحظات التحدي والانكسار المحلي، التي لا تخلو منها أي حركة تاريخية، إلى دروس استعلائية تُلقّن للعالم، وكأن التاريخ مسرح أحادي الاتجاه تُخطّط تفاصيله من عواصم القطب الواحد. وفي هذه اللحظة، تبرز فنزويلا كواحد من تلك المشاهد التي يُراد لها أن تكون دليلاً على “الحتمية” التي يروّج لها المنتصر الافتراضي. لكن هذه المحاولة ليست سوى ستار دخاني يُراد به تغطية حقيقة أكثر عمقاً وثباتاً: إنها محاولة لتعويض الإخفاق المتكرر في ساحات المواقع الحقيقية، حيث تتحطم مقولات القوة المطلقة على صخرة الإرادة الجمعية للأمم.

إن جوهر الصراع يتجاوز بكثير المناورات الإعلامية والتحليلات السطحية. إنه صراع وجودي بين مشروع هيمنة، يعتقد أن القوة العسكرية والاقتصادية كافية لإخضاع التاريخ وإرادات الشعوب، وبين إرادة مقاومة تتجذّر في وعي عميق بالذات والمصير. لقد أثبتت الجغرافيا الممتدة من فلسطين إلى اليمن، ومن سوريا إلى العراق، أن منطق القوة الخشنة قد بلغ حدودَه. فـ “قوات النخبة” المدججة بأحدث العتاد، والتي تُقدّم وكأنها قدرٌ لا يُردّ، وجدت نفسها في مواجهة نوع مختلف من الحروب: حرب الإرادة، حرب الأرض والسماء، حرب الانتماء الذي لا يُقاس بعدد الدبابات بل بمدى عمقه في القلب والوجدان.

في فلسطين، تحولت المقاومة من رد فعل إلى استراتيجية وجود، فأربكت حسابات “الجيش الذي لا يُقهَر”. وفي اليمن، كتبت الصواريخ البسيطة الموجهة بإرادة حديدية فصلاً جديداً في مفهوم الردع اللاتماثلي، مجبرةً تحالفاً إقليمياً ودولياً على إعادة حساباته على طاولة المفاوضات. وعلى الأرض السورية قبل زمن قليل؛ لم تكن المواجهات مع القوات الأمريكية سوى فصل من فصول طويلة أكدت أن حسابات التدخل الخارجي تصطدم بحقيقة الجغرافيا السياسية وإرادة الدفاع عن السيادة. أما في أفغانستان والعراق، فقد تحولت “الحروب الخاطفة” إلى كوابيس استنزاف طويلة، انتهت بانسحابات شكلت اعترافاً صريحاً بفشل منطق الاحتلال وإعادة التشكيل القسري للمجتمعات.

وحتى في اللحظات التي رُجّح فيها ميزان القوة العسكرية لصالح العدو، كما في حرب الاثني عشر يوماً مع إيران، خرجت النتائج بنسق مختلف!!!

لذلك فالهزيمة التكتيكية المحتملة في ساحة ما؛ قد تتحول إلى نصر استراتيجي في ساحة الوعي والإرادة، كاشفةً هشاشة التحالفات المرتجلة وتضارب المصالح تحت وطأة الضربات الموجعة. والأمثلة الميدانية، من فشل آلة الحرب الأمريكية في تدمر عن الكشف عن منفذ الهجوم ضدها قبل أيام، إلى فشل القوات الخاصة الصهيونية في مواجهة كمائن بيت جن السورية أيضًا قبل أيام، ليست حوادث معزولة، بل هي مؤشرات دالة على فشل الذكاء الاصطناعي والاستخبارات المتطورة في مواجهة ذكاء الأرض والشعب وحسابات المقاومة الصبورة.

إن ما يُصوَّر على أنه “إخفاق” في جبهة مثل فنزويلا، في هذا السياق الكوني الواسع، لا يعدو كونه مناورة في معركة كبيرة. المعركة الحقيقية هي معركة الاستمرارية، معركة تعطيل المخططات، معركة إثبات أن الإرادة لا تموت. إن قدرة المقاومة على الانتقال من ساحة إلى أخرى، ومن شكل قتالي إلى آخر، ومن مستوى مواجهة إلى مستوى أعلى، هي دليل على حيوية المشروع المناقض للهيمنة. إنها ليست دفاعاً عن بقاء فحسب، بل هي إعادة تشكيل مستمرة لمعادلة القوى الإقليمية والدولية.

لذلك، فإن خطاب “الدروس” و”العقاب” الذي يروج له العدو هو في حقيقته صرخة عجز. عجز عن تحقيق نصر حاسم، وعجز عن كسر الإرادة، وعجز عن فهم أن التاريخ لا يُقاس بلحظات انكسار عابرة، بل بمسارات الصمود الطويلة. النصر الحقيقي ليس حدثاً يُعلن في بيان، بل هو عملية تراكمية من الصبر والتضحيات والذكاء الاستراتيجي، تُثبت فيها الشعوب أنها ليست مجرد متلقٍ للأحداث، بل صانعة لها.

فالمقاومة، في جوهرها، هي الرفض الدائم للاستسلام لقدر مزعوم. هي التذكير الدائم بأن الروح التي تؤمن بعدالة قضيتها، والتي تتشبث بأرضها وهويتها، هي أقوى من كل القنابل الذكية. وإن تبدلت الساحات وتعددت الأشكال، تبقى البوصلة ثابتة: نحو تحرير الإرادة، وإرباك حسابات الطامعين، وإثبات أن نار المقاومة، حتى وهي تتأجج تحت الرماد أحياناً، لا تنطفئ. فهي تستمد وقودها ليس من ذاكرة قصيرة، بل من تاريخ طويل من التضحيات، وتنظر ليس إلى انتصار يوم، بل إلى استقلال دهر.

صفحة العالم الجديد/سورية الكبرى