في المشهد الجيوسياسي المتسارع، يرى مراقبون مثل الدبلوماسي البريطاني السابق أليستر كروك والبروفيسور غلين ديسن أننا نعيش لحظة فارقة تتجاوز الصراعات الإقليمية المعتادة. إن التغيير الذي يشهده العالم اليوم ليس مجرد تصعيد في حدة التوترات، بل هو إعلان صريح عن انتهاء “عصر الدبلوماسية” كأداة لإدارة الخلافات بين الغرب من جهة، ومحور المقاومة (إيران) وروسيا من جهة أخرى. لقد خلصت هذه القوى إلى قناعة استراتيجية مفادها أن الغرب لم يعد طرفاً يمكن التفاوض معه، بل أصبح كياناً يسعى لفرض هيمنته عبر “النظام القائم على القواعد”، مما دفع هذه الدول إلى تبني استراتيجية “الهجوم الجيوسياسي”.
1. وهم الدبلوماسية: لماذا انهارت الثقة؟
يركز تحليل كروك وديسن على الجوهر النفسي والسياسي لهذا التحول؛ حيث يرى كروك أن إيران، وبعد عقود من محاولات الحوار مع الغرب (تحديداً فيما يتعلق بالاتفاق النووي وملفات المنطقة)، توصلت إلى استنتاج مرير: الدبلوماسية الغربية هي “فخ” أو “تكتيك للمماطلة”، وليست وسيلة للوصول إلى حلول وسط.
بالنسبة لموسكو وطهران، أثبتت التجربة التاريخية (مثل التنصل الغربي من الاتفاق النووي، أو الوعود التي قطعت بشأن تمدد الناتو) أن الغرب لا يحترم العقود أو القوانين الدولية عندما تتعارض مع مصالحه الهيمنية. وعليه، فإن الاستمرار في نهج “الدبلوماسية” لم يعد يُنظر إليه كعلامة حكمة، بل كضعف استراتيجي يسمح للغرب بإعادة ترتيب أوراقه وممارسة الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
2. الشراكة الروسية-الإيرانية: “الكابوس” الجيوسياسي للغرب
لطالما راهنت واشنطن وحلفاؤها على إمكانية عزل هذه الدول كل على حدة. لكن التحليل المعمق يشير إلى أن روسيا وإيران تحولتا من “قوى محاصرة” إلى “محور استراتيجي” يتبادل الخبرات والقدرات.
القدرات العسكرية: لم تعد إيران تعتمد فقط على استراتيجية الردع التقليدية، بل باتت جزءاً من منظومة تقنية وعسكرية متنامية مع روسيا. هذا التعاون لا يقتصر على توريد المسيرات أو تكنولوجيا الدفاع، بل يتعداه إلى تنسيق استخباراتي ولوجستي في ساحات متعددة (من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط).
تغيير قواعد اللعبة: يرى كروك أن هذا التنسيق يعني أن الضغط على إحدى الجبهتين سيؤدي بالضرورة إلى رد فعل منسق في جبهة أخرى. هذه “الاستراتيجية المترابطة” جعلت من الصعب على الغرب “احتواء” الخصوم دون المخاطرة باشتعال مناطق جغرافية متباعدة في وقت واحد.
3. الهجوم ليس عسكرياً فقط: إعادة تشكيل النظام العالمي
النقطة الأكثر خطورة في التحليل هي أن “الهجوم” الذي يتحدث عنه المحللون ليس هجوماً عسكرياً مباشراً بالضرورة، بل هو هجوم على بنية الهيمنة الغربية نفسها:
تآكل “النظام القائم على القواعد”: تسعى روسيا وإيران، بدعم من قوى صاعدة أخرى، إلى تقويض شرعية السردية الغربية التي تضع القوانين وتستثني نفسها منها.
الدولار والسلاح الاقتصادي: من خلال تعزيز التحالفات الاقتصادية (مثل بريكس) والابتعاد عن النظام المالي الغربي، تقوم هذه الدول بتجريد الغرب من أقوى أسلحته (العقوبات الاقتصادية). يرى كروك أن الغرب، عبر “تسليح الدولار”، قد دفع خصومه نحو بناء نظام موازٍ لا يمكن للغرب التحكم فيه.
4. قصر نظر الغرب في قراءة الواقع
ينتقد كروك وديسن بشكل لاذع النخبة السياسية الغربية، معتبرين أنها تعاني من “عمى استراتيجي”؛ فهي ترفض الاعتراف بأن العالم قد تغير، وتصر على معالجة المشكلات الحديثة بأدوات القرن العشرين (التهديد، العقوبات، والاحتواء). هذا الإنكار للواقع يدفع الغرب إلى “المقامرة” بمواجهات تصعيدية، ظناً منهم أنهم لا يزالون يمتلكون زمام المبادرة، بينما في الحقيقة، هم يمارسون سياسة الانتحار الاستراتيجي.
الخلاصة: العالم أمام واقع جديد
إن التوجه الروسي-الإيراني نحو “الهجوم” لا يعني الرغبة في حرب شاملة بقدر ما يعني رفض العيش في الظل. إنها مرحلة “الاستقلال الاستراتيجي” حيث قررت هذه الدول أن كلفة المواجهة مع الغرب أقل بكثير من كلفة الخضوع لإملاءاته.
نحن أمام مشهد دولي يتسم بالاستقطاب الحاد؛ حيث لم تعد الدبلوماسية قادرة على الجسر بين “نظام هيمنة غربي” يرفض التغيير، و”قوى صاعدة” قررت أن التغيير لا يمكن أن يحدث إلا بفرض أمر واقع جديد. إن السؤال الآن ليس ما إذا كانت روسيا أو إيران ستعودان إلى طاولة المفاوضات، بل هو: هل يمتلك الغرب القدرة على التكيف مع عالم لم يعد فيه هو المقرر الوحيد لقواعد اللعبة؟
