لم تكن الصورة المسرّبة من واشنطن مجرد زلة قدم سياسية أو لقاء عابر في أروقة النفوذ، بل جاءت لتزيح الستار عن خيط ممتد من السلوكيات والممارسات التي تجاوزت العبث بالبنية المالية للدولة إلى التماس المباشر مع خطوط التماس السيادية. إن الحديث عن مجالس الكواليس مع بنيامين نتنياهو لا ينبغي أن يقف عند حدود التنديد الإعلامي؛ فالقضية أكبر بكثير من التقاط صورة، بل هي تهمة التنسيق مع كيان يصنّفه الدستور والقوانين اللبنانية صراحة بـ “العدو”.
​إن المطلوب اليوم من القضاء اللبناني ليس فتح ملف الصورة كحدث منفصل، بل اتخاذها مدخلاً لتفكيك إمبراطورية ماليّة وسياسية تضخمت على حساب جنى عمر اللبنانيين ومقدرات الوطن.
​أولاً: ملحمة أموال المودعين والتنفيعات الاستثنائية
​تترأس إدارة مصرف “SGBL” واجهة الانهيار المالي الذي عصّف بلبنان عام 2019. تقتضي العدالة القضائية التدقيق الجنائي الصارم في حركة التحويلات المالية التي هُرّبت إلى الخارج قبل الانهيار وأثناءه وبعده، في وقت كان فيه عامة الشعب يواجهون قطوعات القهر أمام أبواب المصارف.
​إن كشف آليات فك الودائع والتسديدات الاستثنائية لصالح نافذين ومحظيين يطرح سؤالاً سيادياً بامتياز: هل حُرِم مئات آلاف المودعين من قفل حساباتهم لتمويل حسابات طبقة معينة، وهل تداخلت في هذه الهندسات أيادٍ وأجندات خارجية هدفت إلى تجويف المجتمع اللبناني وإركاعه مالياً؟
​ثانياً: شظايا التحقيقات الفرنسية وملاحقة مجموعة “ريشيلو”
​يكشف التحقيق الذي فتحه الادعاء المالي في باريس بحق مجموعة “ريشيلو” (Richelieu) عن شبهات خطيرة تتصل بتبييض الأموال، وإساءة الأمانة، والاختلاس، والتهرب الضريبي.
​ثالثاً: غموض لغز المصرف اللبناني الكندي عام 2011
​يعود ملف استحواذ مصرف “SGBL” على معظم أصول المصرف اللبناني الكندي عام 2011 إلى الواجهة كإحدى أكثر العمليات المريبة في التاريخ المالي الحديث. فبعد تصنيف السلطات الأمريكية للمصرف الكندي كمؤسسة تشكل مصدراً رئيسياً لغسل الأموال، جرت تسوية قضائية ومالية سمحت بإسقاطه وتمرير أصوله لصالح الصحناوي.
​يتطلب هذا الملف إعادة فتح التحقيقات القضائية والمالية الداخلية لمعرفة التقارير والأدوار التي أسهمت في دفع المصرف اللبناني الكندي نحو الانهيار المنظم، وكيفية توظيف هذه الأزمة لترسيخ هيمنة مصرفية احتكارية على حساب السلامة المالية الوطنية.
​رابعاً: السيطرة على “سوليدير” ووسط العاصمة
​إن التمدد والسيطرة المتزايدة على شركة “سوليدير” وأسهمها في قلب العاصمة بيروت يثير علامات استفهام كبرى حول مصادر الأموال المستخدمة في عمليات الشراء الشرهة.
​في الوقت الذي كانت فيه حسابات المواطنين مجمدة ومصادرة، كانت التسهيلات المصرفية تُمنح على قدم وساق لشراء عقارات وسط بيروت. يفرض التحقيق القضائي التوسع لمعرفة هوية المالكين المستفيدين الحقيقيين من هذا الاستحواذ، والتحقق مما إذا كانت هناك دوافع تخدم مخططات إعادة تشكيل وجه العاصمة العقاري والاقتصادي برعاية أو تقاطع مع مصالح إسرائيلية وأجنبية.
​شهدت السنوات الأخيرة لجوءاً مكثفاً إلى القضاء وممارسات ضغط واسعة لملاحقة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي تجرأت على نشر تحقيقات تطال هذه التجاوزات.
​إن استخدام النفوذ المالي والتمويل السيادي لشراء الصمت الإعلامي، وتوظيف بعض منافذ القضاء لإسكات أصوات التقصي والتحقيق، يشكل انتهاكاً صارخاً لحرية التعبير وشراكة جرمية لتغطية الحقيقة. يجب التحقيق في شبكات التمويل السياسي والإعلامي التي أُنشئت بهدف توفير الحماية الشخصية والمصرفية وإبعاد الشبهات.
​سادساً: من كواليس واشنطن إلى منصة المحاكمة الوطنية
​إن اللقاء مع رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو لا يمكن التعامل معه كخبر صحفي يمرّ في شريط الأحداث ثم يُنسى. إن هذا اللقاء يمثل خرقاً صريحاً للقوانين الوطنية والتشريعات المناهضة للتطبيع والتواصل مع العدو.
​القضاء اللبناني مطالب اليوم بالتحرك التلقائي لملاحقة الشبهات وإجراء محاكمة علنية – ولو غيابياً – لكل من يتورط في فتح قنوات اتصال مع قيادات الكيان الصهيوني، ليكون الحكم عنواناً لحماية السيادة الوطنية وضمان عدم الإفلات من العقاب.
​إن معركة كشف الحقيقة في لبنان لم تعد تقتصر على إصلاح مالي أو إداري، بل أصبحت معركة وجود وسيادة بين دولة القانون والمؤسسات، وبين شبكات النفوذ والمال التي لا تتورع عن بيع المقدرات والتواصل مع الأعداء. إن فتح هذه الملفات الستة وتفكيكها هو السبيل الوحيد لاستعادة الدولة المسلوبة وحماية ما تبقى من كرامة الوطن ومقدرات أبنائه.
د. نبيلة عفيف غصن