​يتكشف المشهد السياسي اليوم عن مفارقة فاقعة؛ ففي الوقت الذي يقف فيه بنيامين نتنياهو على منبر العنتريات ليرسم معالم “المنطقة الأمنية” و”المناطق التجريبية” مقدماً إياها كإنجاز تاريخي، تلوذ السلطة الرسمية في لبنان بالصمت المريب، مستعيضة عن المواجهة السيادية بدبلوماسية التخاذل والانصياع. إن قراءة الخطاب الإسرائيلي توازياً مع سلوك السلطة يكشف أننا لسنا أمام مجرد ترتيبات أمنية عابرة، بل أمام عملية إعادة هيكلة قسرية للقرار الوطني، تحول فيها الخنوع إلى منهج حكم، واستُبدلت فيها السيادة برعاية أجنبية.
​أولاً: خديعة “الربح التكتيكي” وهندسة الاحتلال الملتوية
​يأتي خطاب نتنياهو عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري ليتوج محاولة تسويق “إعادة التموضع الاضطراري” كأنه نصر استراتيجي خاطف. ومن يقرأ السطور بعين الفحص الفكري والتحليلي يدرك فوراً أن التباهي بتوجيه “ضربة قوية لإيران” وشطب الدور المقاوم، مقترناً بالإصرار على البقاء في الشريط الحدودي، يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً تحاول تل أبيب تغطيته برداء الاستعلاء السياسي.
​مفارقة السيادة بلسان المحتل: تتجلى الفجاجة السياسية في محاولة نتنياهو تنصيب نفسه ناطقاً باسم المثلث (إسرائيل، لبنان، الولايات المتحدة) ليصرح بأن الشأن اللبناني “ليس من شأن إيران أو غيرها”. وإن كان عزل النفوذ الإقليمي مطلباً سيادياً أصيلاً بالأساس، فإن الخطورة تكمن في استبدال ذلك بفرض وصاية إسرائيلية-أمريكية تملي على اللبنانيين من يحق له التواجد ومن يمتلك قرار السلم والحرب.
​منطق “المناطق التجريبية”: إصرار الاحتلال على إبقاء شرط نزع السلاح لمغادرة المنطقة الآمنة، والحديث عن “منطقتين تجريبيتين” لنقل المواقع للجيش، يحول الانسحاب إلى مجرد “احتلال مؤقت دائم”. يضاف إلى ذلك أن إعلان نتنياهو الصريح بأن المواقع المخلاة هي “مواقع لا يحتاجها الجيش الإسرائيلي” يسقط ورقة التوت عن هذا “الإنجاز”؛ فالانسحاب لم يأتِ مكرمة بل هو إعادة انتشار تكتيكي للتخلص من الأعباء العسكرية.
​سراب الحياد وسحق المؤسسة الوطنية: يختبئ الخطاب الرسمي خلف شعارات “الحياد” وتجنيب البلاد المآسي، ولكن شتان بين حياد سيادي تحميه القوة، وبين “حياد مخصي” يُفرض بالتهديد ويترك البلاد مكشوفة أمام أطماع الغزاة. وبدلاً من بناء الجيش الوطني على أساس عقيدة دفاعية صلبة وتوفير مقومات الردع له، تسعى السلطة لتقزيم دوره وتحويله إلى وكيل أمني يجري “اختباره” تحت الرقابة الإسرائيلية في تلك “المناطق التجريبية”.
​ثالثاً: القطع مع المنظومة وبناء مشروع التحرر الوطني
​إن الرد الحقيقي على استعلاء الاحتلال لا يكون بالانتظار الشائك ولا بالتسليم الدائم، كما أن كسر حالة التخاذل الرسمي لا يتحقق بالبيانات الانفعالية، بل بإحداث تغيير فكري وسياسي شامل يقطع مع نهج الارتهان ويستعيد مفهوم الدولة الوطنية والسيادة الناجزة.
.1 ​إسقاط شرعية التفريط: السيادة كلٌّ لا يتجزأ، وقبول تجزئتها أو رهنها بالشروط الأجنبية تحت أي مسمى هو خيانة صريحة لأمانة التاريخ والشهداء. إن الوعي الوطني الحي كفيل بسحب الشرعية عن كل خطوة تُكرّس الوصاية.
.2 ​تحرير القرار الوطني لبناء دولة القوة: القوة الحقيقية تبدأ من إغلاق النوافذ أمام التدخلات الخارجية جميعها، والانعتاق من المحاور الإقليمية والشروط الإسرائيلية على حد سواء. السيادة لا تُستجدى على موائد التفاوض ولا تُوهب بقرار من رئيس وزراء العدو، بل تُفرض بإرادة مجتمعية صلبة وعقيدة دفاعية جامعة تكون فيها الدولة ومؤسساتها العسكرية الحامي الوحيد والشرعي للحدود.
.3 ​التأسيس لعصر التحرر والكرامة: إن المجتمعات الحية هي التي تتجاوز عجز حكامها لتصوغ مشروعها الوطني بنفسها. المطلوب اليوم هو صياغة رؤية تحررية متكاملة تتعدى الأطر السياسية الضيقة، وتعتبر النضال لاستعادة الأرض والقرار عملاً وطني وفكرياً وشاملاً يتصدى لمشاريع الهيمنة ومحاولات المساس بالوجود.
​إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تستمرئ الذل وتتغطى بعباءة الواقعية السياسية لتبرير القبول بالهوان. إن الأرض التي شهدت نضالات التحرر وأنتجت الفكر السياسي الصلب لن تختزلها سلطة عاجزة تعتاش على فتات التسويات. المخرج الوحيد يكمن في الاستنهاض الوطني الذي يعيد بناء الإرادة الصلبة، ويضع حداً لكل من يظن أن سيادة البلاد كعكة تُقسّم أو ورقة تُساوم على موائد الغزاة.
د. نبيلة عفيف غصن