ما فعلته الدكتورة نبيلة عفيف غصن اليقظة في هذا النص ليس مجرد نقد أكاديمي بارد، بل هو مبضع جراحي *يفضح عقم وتذاكي الأيديولوجيا الإسلامية الحركية عندما تعجز عن مواجهة استحقاقات الواقع المادي. لقد أصابت غصن كبد الحقيقة بتفكيكها الصارم لهذا الوهم الرومانسي الفضفاض.*

هناك نمط متكرر، بل ومبتذل، في أدبيات أحزاب “الإسلام السياسي” المهادن، وتحديداً نموذج حزب “العدالة والتنمية” في المغرب. ع *ندما كان هؤلاء في السلطة، وقّعوا بأيديهم وبأقلامهم على صكوك التطبيع الاستسلامي، وانصاعوا للإملاءات الإمبراطورية الصهيونية-الأميركية تحت مبررات “براغماتية الدولة” السخيفة. واليوم، عندما يسقط الوهم في عصر الطوفان، يأتي الحبيب الشوباني ليبيع الشباب بضاعة لاهوتية كاسدة،* هارباً من المحاسبة السياسية المباشرة.

هندسة الهروب الكوني وتسييل المسؤولية (أي هندسة)

الآلية الأيديولوجية التي *يتبعها الشوباني مكشوفة ومقززة في آن واحد* ، وهي تقوم على تفكيك المسؤولية وحقن الجماهير *بمخدر التجريد:*

> *إن تحويل الصراع من مواجهة مادية، ميدانية، ومباشرة ضد احتلال استيطاني اقتلاعي فوق جغرافية محددة، إلى “معركة حضارات كبرى ومسألة وجودية كونية”، (يا لطيف!) هو الوصفة السحرية لإسقاط المسؤولية السياسية المباشرة عن الحزب وعن خياراته الساقطة، وتحويلها إلى عبء أخلاقي عام تتحمله “الأمة الحاضنة”.*

*هذا هو الجبن الفكري والسياسي بعينه. فعندما ترتفع بالنقاش إلى مصاف “الميتافيزيقيا الكونية”* و”الحلول الحضارية صعبة المنال”:

* *تختفي خطيئة الحزب الفاشل:* وتذوب مسؤولية القيادات السياسية التي بصمت على التنازلات، ليصبح العبء مشاعاً بين مليار ونصف مليار مسلم.
* *يتحول العدو المادي إلى “حالة نفسية”:* وبدلاً من التعامل مع الصهيونية كشكل من أشكال الاستعمار الإحلالي العنصري الذي يجب مواجهته ومقاومته، *يحولها الشوباني إلى “مسألة” تحتاج إلى “استشفاء أخلاقي” في مصحة “الحل الإسلامي”* ؛

وكأن شعوبنا الأصيلة نادٍ للمقايضة اللاهوتية وليست صاحبة حق مغتصب.





* *تُشطب الجغرافيا والتاريخ الفعلي:* يُلغى التراكم الحضاري المتجذر والممتد لآلاف السنين لشعوب الهلال الخصيب، ووادي النيل، والمغرب الأمازيغي، *لصالح لافتة* “الحوض الحضاري” *الهلامية* التي لا تطعم خبزاً، ولا تحمي حدوداً، ولا تحرر أرضاً.

*النقد الذي قدمته الدكتورة غصن يكتسب قيمته القصوى من كونه يعيد الصراع إلى أرضه الصلبة: صراع مادي، سياسي، وحقوقي على الأرض والسيادة والكرامة* . أما تلك “الحلول الحضارية” التي *يتبرع* بها الشوباني *مجاناً* لتحمل وزر “العبء الغربي وآثامه”، فليست سوى *ملجأ أخير لسياسي مأزوم* يريد غسل يديه من عار السياسة والاختباء خلف عباءة “الكونية” الزائفة. (يا اسلام سياسي: أليس لديكم بضاعة أحسن)

إقرأ أيضا مقال د.نبيلة عفيف غصن “تفكيك الوهم الحضاري” :

إقرأ أيضا مقال أ.نوال عباسي: بين التراكم الحضاري ووهم الانطلاق من الصفر: قراءة في مقال “تفكيك الوهم الحضاري”