بينما تُصاغ القرارات المصيرية للشعوب بالسيادة الحقيقية والاستقلال الناجز، لا تزال بعض الدوائر السياسية في بغداد تحرص على تقديم رسائل الطمأنة إلى الجانب الأمريكي، بحثاً عن غطاء دولي قبل كل زيارة أو استحقاق خارجي.
​التقرير الأخير الصادر عن منصات رصد إقليمية حول كواليس تشكيل الحكومة العراقية الحالية برئاسة علي الزيدي، يفضح مجدداً عمق المأزق الذي تعيشه السلطة السياسية عندما ترهن خطواتها بالرضا الخارجي بدلاً من الإرادة الوطنية الخالصة والمعادلات الميدانية.
​الإخراج السريع وإرضاء الخارج
​إن إعلان انطلاق العمل الحكومي في شهر أيار الماضي بحقائب مبتورة وغير مكتملة، لم يكن إنجازاً وطنياً بقدر ما كان خطوة مستعجلة تهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب إغضاب واشنطن، وإعطاء انطباع بالاستقرار السريع. واليوم، مع اقتراب موعد زيارة الزيدي المقررة إلى واشنطن في تموز المقبل، تهرول القوى السياسية لإتمام صفقة توزيع ما تبقى من المقاعد الوزارية، كخطوة تُقدّم تمهيداً للزيارة لإثبات “جدية الحكومة” أمام الإدارة الأمريكية.
​هذه الهرولة تعكس خللاً في ترتيب الأولويات، حيث يُنظر إلى الحقائب الوزارية في كثير من الأحيان لا كأدوات لخدمة الشعب العراقي الغارق في أزماته الخدمية والاقتصادية، بل كأوراق تفاوضية في بازار العلاقات الدولية والاعتراف الخارجي.
​ملف الحشد الشعبي: اللعب على وتر الاستقرار الأمني
​إن المطلب الأمريكي الثابت والملحّ الذي يواجهه رئيس الوزراء الحالي، والمتعلق بـ “تفكيك” أو “نزع سلاح” الحشد الشعبي، يمثل تجسيداً للتدخل الأجنبي السافر في البنية الأمنية للعراق. فالإدارة الأمريكية لا تزال تضغط باتجاه حل هذا الجهاز، متجاهلة الحقائق الموضوعية على الأرض:
​أولاً: الحشد الشعبي بات يمثل ركيزة أساسية ضمن منظومة الدفاع الوطني العراقية الرسمية، حيث ساهم بشكل حاسم في دحر المشروع الإرهابي لداعش وحماية وحدة البلاد.
​ثانياً: إن أي تماهٍ مع الضغوط الخارجية في هذا الملف الحساس يهدد الاستقرار الداخلي بشكل مباشر. الأمن العراقي ليس مادة للمقايضة السياسية، ومحاولة المساس بمكونات الدفاع الوطنية لإرضاء قوى خارجية لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وزعزعة الاستقرار.
​دولة الكواليس والتبعية البنيوية
​يشير الواقع البنيوي للنظام القائم في بغداد إلى أن غياب الوزراء أو حضورهم لا يغير الكثير في جوهر إدارة الدولة، التي تخضع للمحاصصة خلف الستار والعلاقات الفئوية والسياسية الضيقة. هذا الترهل البنيوي يجعل القرار السياسي العراقي هشاً وقابلاً للاختراق، ويسمح للتدخلات الأجنبية بالتمادي وتحديد الخطوط الحمر للسياسة الداخلية.
​إذا كان الزيدي قد قطع وعوداً للأطراف الدولية بحسم الملفات العالقة قبل وصوله إلى واشنطن، فعليه أن يدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يمر عبر كسب الرضا الخارجي، بل عبر التبني الكامل لخيار السيادة المطلقة، وبناء مؤسسات وطنية مستقلة قادرة على إنهاء أي شكل من أشكال الوصاية الأجنبية ووقف التدخل السافر في شؤون الأمن القومي العراقي.
​البوصلة الوطنية: السيادة لا تُجزأ
​إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم لا يكمن مجرد في “إيجاد إجماع على أسماء الوزراء المتبقين” لإرضاء هذا الطرف الدولي أو ذاك، بل في امتلاك الإرادة الوطنية المستقلة لرفض الإملاءات الخارجية.
​الزيارة القادمة إلى واشنطن يجب ألا تكون محطة لتقديم كشوف الحساب، بل يجب أن تكون ساحة لتأكيد أن زمن الإملاءات قد انتهى، وأن القرار العراقي يُصنع في بغداد وحسب، وبما يخدم مصالح الشعب العراقي وسيادته الكاملة على أرضه ومؤسساته الأمنية والسياسية.
د. نبيلة عفيف غصن