من سردية اطفال درعا إلى تفكيك الدولة السورية ؟
د. طنوس شلهوب

صدرت اليوم أحكام بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب وعدد من مسؤولي النظام السابق. وقد جرى تقديم هذه الأحكام بوصفها لحظة تاريخية من لحظات «العدالة» وانتصاراً لضحايا القمع الذي مارسته أجهزة الدولة السورية خلال سنوات الصراع والحرب الاهلية.

وفي هذه اللحظة يجدر طرح سؤال يتجاوز الأشخاص الذين صدرت بحقهم الأحكام: هل كانت المأساة السورية مجرد صراع بين شعب مقموع ونظام مستبد، أم أن إسقاط النظام كان جزءًا من مسار أوسع استهدف الدولة السورية نفسها، وموقعها المستقل في الإقليم؟
هذا السؤال ليس محاولة لتبرئة النظام السابق، بل محاولة لفهم ما جرى بعيداً عن الرواية الاختزالية التي جعلت من الصراع السوري حكاية أخلاقية بسيطة: شعب يريد الحرية، ونظام يريد قمعه.
لا شك في أن المجتمع السوري كان يحمل مظالم حقيقية، وأن الإصلاح السياسي كان مطلباً مشروعاً. لكن اختزال الصراع كله في هذه الحقيقة لا يفسر لماذا تحولت سوريا إلى ساحة لحرب إقليمية ودولية هائلة، ولا لماذا انتهى المسار إلى إضعاف الدولة السورية وتفكيك مؤسساتها ومجالها الوطني.

فالنظام السياسي يمكن تغييره، وينبغي تغييره إذا فقد قدرته على تمثيل المجتمع وإدارة تناقضاته. أما الدولة فهي الإطار الذي يحفظ وحدة المجتمع وسيادته ومؤسساته وقدرته على اتخاذ القرار المستقل.

وكان من الممكن، من حيث المبدأ، أن تتحول الاحتجاجات السورية إلى مسار إصلاحي وسياسي عميق، يفتح الطريق أمام تغيير في بنية السلطة وتوسيع المشاركة السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر ديمقراطية.

لكن تحولت الأزمة الداخلية تدريجياً إلى حرب متعددة الأطراف، ودخلت الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل ودول الخليج وإيران وروسيا وقوى مسلحة عديدة على خط الصراع. وفي خضم ذلك لم تعد المسألة مجرد تغيير في رأس السلطة، بل أصبحت الدولة السورية نفسها ساحة للصراع.

في المسألة الامبريالية : الإمبريالية الحديثة لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر وإدارة استعمارية معلنة. يمكن أن تمارس الهيمنة من خلال إضعاف الدولة الوطنية، وتفكيك مؤسساتها، وإعادة توزيع مناطق النفوذ داخلها، وربط اقتصادها بمراكز رأس المال العالمي، بحيث تفقد قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة (كما حصل في العراق وليبيا).

بعد تدمير كل مقدرات الجيش السوري وسعت اسرائيل في الجنوب السوري وجودها العسكري وفي محيط المنطقة العازلة، وأصبحت أجزاء من الجنوب السوري مرتبطة مباشرة بحسابات الأمن الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه أصبحت المسألة الدرزية إحدى أوراق التدخل الإسرائيلي.
وفي الشمال، ما زالت تركيا تملك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً، بينما بقيت المسألة الكردية واحدة من أهم عقد الصراع حول شكل الدولة السورية ومستقبلها.

أما في الداخل فالسلاح موزع بين قوى مختلفة، ومناطق عديدة ما زالت خاضعة بدرجات متفاوتة لسلطات محلية أو جماعات مسلحة، فيما تتكرر عمليات القتل والخطف والاعتقال والانتهاكات.
والأخطر أن هذه الانتهاكات تجري تحت عنوان «تصفية فلول النظام».

إذا كان قتل المدنيين جريمة عندما يرتكبها النظام السابق، فهو الجريمة نفسها عندما ترتكبه السلطة الجديدة أو الجماعات المسلحة التابعة لها. وإذا كان التعذيب جريمة، فهو لا يصبح أقل إجراماً عندما يكون الضحية من أنصار النظام السابق. وإذا كانت حماية الأقليات مبدأً إنسانياً، فلا يمكن أن تصبح هذه الحماية انتقائية تبعاً للهوية السياسية أو الطائفية للضحية.
فالعدالة التي تتحول إلى انتقام ليست عدالة، والعدالة التي يحكمها المنتصر وحده تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع.

يُسوقون لفكرة إن سقوط الأسد فتح الطريق أمام بناء سوريا جديدة، لكن السؤال هو: أي سوريا؟
هل هي سوريا الأكثر استقلالاً؟
هل استعادت سيادتها على كامل أراضيها؟
هل استعادت الدولة احتكارها للسلاح؟
هل انتهى التدخل الخارجي؟
هل أصبح السوريون أقدر على تقرير مستقبلهم بأنفسهم؟

أم أننا أمام دولة أضعف، ومجتمع أكثر تفككاً، ومناطق نفوذ متعددة، وحدود مخترقة، واقتصاد منهك، وقوى إقليمية ودولية تمتلك أوراقاً أساسية في تحديد مستقبل البلاد؟

إذا كانت الإجابة أقرب إلى الاحتمال الثاني، فإن علينا أن نتوقف عند النتيجة الفعلية للمسار السوري، لا عند الشعارات التي رافقته. فالمسألة لم تكن في إسقاط بشار الأسد. لقد كان هناك، في مسار الحرب، إضعاف للدولة السورية ككيان سياسي واقتصادي وعسكري مستقل.
وهنا لا بد من العودة إلى نقطة أساسية في التحليل الماركسي.
الدولة ليست مؤسسة محايدة فوق المجتمع، كما أنها ليست بالضرورة تجسيداً لمصلحة كل الطبقات. إنها تعكس علاقات القوة والصراع الطبقي داخل المجتمع. لكن هذا لا يعني أن كل دولة وطنية في بلد تابع أو شبه تابع للإمبريالية تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها دولة إمبريالية.

فالدولة السورية، بكل تناقضاتها، كانت تمتلك هامشاً من الاستقلال في القرار السياسي والخارجي، وكانت جزءاً من منظومة إقليمية تقاوم الهيمنة الأميركية والإسرائيلية بدرجات مختلفة. وكانت لديها مؤسسات وقطاع عام وبنية إنتاجية وسياسات تنموية، وإن كانت هذه التجربة نفسها قد دخلت في تناقضات وأزمات وتحولات اقتصادية خلال العقود الأخيرة. ولهذا فإن الصراع على سوريا لم يكن صراعاً على «الديمقراطية» فقط.
كانت هناك تناقضات داخلية حقيقية، لكن القوى الإمبريالية والإقليمية استثمرت هذه التناقضات، ووسعتها، وسلحتها، وأعادت توجيهها بحيث انتقل الصراع من التغيير داخل الدولة إلى الصراع على الدولة نفسها.

فالإمبريالية لا تحتاج إلى خلق كل تناقضات المجتمع. يكفيها أن تحول التناقضات القائمة إلى أدوات لتفكيك الدولة الوطنية. ولذلك فإن إعادة النظر في الرواية المؤسسة للحرب السورية ليست ترفاً فكرياً.

حتى قصة أطفال درعا، التي تحولت إلى الرمز الأخلاقي المؤسس للرواية التي رافقت بداية الحرب، تحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية تميز بين الوقائع التي يمكن إثباتها وبين التفاصيل التي تضخمت وتحوّلت إلى جزء من السردية السياسية والإعلامية اللاحقة.
إن حادثة محددة لا ينبغي أن تتحول إلى مفتاح وحيد لتفسير حرب معقدة شاركت في صياغتها عشرات القوى المحلية والإقليمية والدولية.

والأمر نفسه ينطبق على أحكام اليوم.
يمكن أن يكون عاطف نجيب مسؤولاً عن جرائم تستحق المحاسبة، ويمكن أن يكون بشار الأسد مسؤولاً عن سياسات وأفعال تستوجب المحاكمة، لكن تحويل محاكمتهم إلى نهاية الرواية السورية يعني اختزال مأساة بلد كامل في مجموعة أشخاص.

المشكلة تتلخص في ماذا فعلت الحرب بسوريا؟ ومن استفاد من النتيجة؟
لقد خرجت سوريا من الحرب أكثر ضعفاً، وأكثر فقراً، وأكثر انقساماً، وأكثر تعرضاً للنفوذ الخارجي. وهذا هو المعطى الذي يجب أن يحتل مركز التحليل.

فإذا كانت النتيجة النهائية لإسقاط النظام هي أن يصبح الجنوب السوري تحت ضغط عسكري إسرائيلي، والشمال تحت نفوذ تركي، والمسألة الكردية والدرزية أوراقاً في صراع إقليمي، والمجتمع غارقاً في الانقسامات والانتقام، والدولة عاجزة عن احتكار القوة، فإن السؤال المشروع يصبح: هل تحررت سوريا فعلاً، أم أنها انتقلت من استبداد داخلي إلى وضع أكثر هشاشة أمام الهيمنة الخارجية؟

ما حدث لم يكن مجرد تغيير رئيس. لقد تعرضت الدولة السورية نفسها للتفكيك: الجيش، المؤسسات، الاقتصاد، البنية الإنتاجية، شبكات النقل والطاقة، ووحدة المجال الوطني. والحرب ألحقت بالاقتصاد السوري خسائر هائلة وأعادت البلد عقوداً إلى الوراء من ناحية التنمية.
لقد دخلت سوريا مجدداً في منظومة المؤسسات المالية الدولية، مع إعادة الارتباط بالبنك الدولي وصندوق النقد، والحديث عن إعادة الإعمار والاستثمار والاندماج المالي العالمي، وتحوّل تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة إلى لاعبين أساسيين في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري. وقد أصبح البنك الدولي، بعد تسوية المتأخرات، قادراً على تمويل مشاريع في سوريا لأول مرة منذ عقود تقريباً، بينما عاد صندوق النقد للانخراط في الملف السوري.

السؤال: هل أدى سقوط الاسد إلى تحرير سوريا، أم إلى تفكيك الدولة السورية وإعادة إدراجها في منظومة الهيمنة الإمبريالية؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تحددها المحاكم وحدها، ولا الشعارات، ولا الروايات التي يكتبها المنتصرون.
الإجابة تكمن في من يملك القرار السوري اليوم؟ ومن يملك الأرض والسلاح والاقتصاد؟ ومن يرسم حدود النفوذ؟ ومن سيحدد شكل الدولة السورية ومستقبلها؟

فإذا لم يكن القرار في النهاية للسوريين، فإن تغيير الحاكم، مهما كان ضرورياً أو مستحقاً، لا يمكن أن يسمى تحريراً وطنياً.

سوريا تحتاج إلى استعادة الدولة والسيادة والوحدة، وإلى عدالة تشمل الجميع، وإلى مشروع وطني مستقل يعيد للشعب السوري حقه في تقرير مستقبله.