دماء لم تجف: عاشوراء بين طُهر النبوة ودنس السلطة.
أسماء الجرادي
العاشر من محرم كل عام، تعود الذاكرة إلى يوم الوجع الأكبر، يوم الخيانة العظمى والطعنة التي اصابت خاصرة الإسلام، ويوم بكت فيه السماء وأرواح الأنبياء على دماء طاهرة سالت لتكتب أروع ملاحم الفداء. في كربلاء، تلك الأرض التي ارتوت بأطهر ألدماء، هناك حيث اصطدم طهر النبوة بدنس السلطة، وقف الإمام الحسين عليه السلام ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسبطه ومحبوبه، سيد شباب أهل الجنة ليعيد للعالم تعريف الإيمان والكرامة بدمائه الزكية.
لقد نشأ الإمام الحسين عليه السلام بين يدي جده سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورضع الإيمان من أمه الزهراء فاطمة عليها السلام(ام ابيها)، وتعلم الشجاعة والإقدام من والده علي عليه السلام. قال عنه المصطفى، وهو يضمّه إلى صدره الشريف: “حسين سبط من الأسباط، من أحبني فليحب حسيناً”، وقال: “هما ريحانتاي من الدنيا”، مؤكداً مكانتهما منه بقوله: “أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم”.
ومن بين هذا الألم المتجدد، تتردد أصوات تحاول اختزال المأساة بجملة: “إنها فتنة بين المسلمين، والأفضل السكوت عنها”. أي سكوت هذا؟! أي ضمير يقبل السكوت على دم ابن بنت النبي؟ على دماء آل محمد وهي تُسفك بغير حق؟ أي دين يأمرنا أن نغطي على الجريمة ونسميها “فتنة”؟
إنني أتحدث كمسلمة تؤمن بالله ورسوله، وتتألم لأذى آل بيته الطاهرين، وتتبرأ من فعل من ظلمهم واعتدى عليهم إلى يوم الدين، أقول: هذه ليست فتنة. هذه معركة بين الإيمان كله والكفر كله. لقد وقف الحسين مع اهله وأصحابه مقابل جيش يزيد الغني بالمال والسلاح، جيش غارق في دنس الدنيا. لم يخوض الحسين معركة كراسي أو سلطة زائلة، لكنه خاض معركة هوية، بين النور والظلام، بين الحق والباطل. كان الخيار واضحاً: إما بيعة لباطل يهدم الدين ويشوه رسالة الله، أو دم وتضحية لتبقى “لا إله إلا الله”.
فيا من تدعون الإسلام، كيف تجرأتم على أحبهم لنبيكم؟! كيف تجرأ من يدعي الإسلام أن يؤذي رسول الله في ولده؟ كيف تجرأ على الحسين، حبيب الله، سيد شباب أهل الجنة، ريحانة رسول الله؟ والله توعد في كتابه العزيز بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}. فكيف بمن يدعي الإسلام أن يؤذيه ويتباهى بقتله؟ إن كنتم مؤمنين.. فكيف تجرأتم على هذا الفعل الذي لا يقبله عقل أو ضمير فيه ذرة من الإيمان؟ وأما الساكتين.. فكيف رضيتم بهذا الجرم العظيم؟ ثم كيف يصلي من قتل آل محمد؟ ونحن نعلم انه لا تُقبل صلاة إلا بالصلاة عليهم. فكيف تُقبل لهم صلاة وأيديهم ملطخة بدم سبط النبي وأهله؟ لقد قتلوهم عمداً وتقصداً، صلبوا جسده الطاهر وقطعوا رأسه الشريف. كل هذه الجرائم تثبت الكفر والحقد الشديد على محمد وآل محمد.
وأما من يأتي ليبرر هذا الإجرام العظيم بقوله: “إن الغلط بالحسين، لأنه استجاب لأهل العراق؟” نقول: الحسين لم يستجب لأهل العراق.. الحسين استجاب لله. استجاب لقوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على لسان داوود وعيسى ابن مريم……. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ…}. كيف لابن فاتح خيبر، ابن حيدرة، ابن قرة عين النبي، أن يسكت عن منكر يهدم الإسلام من جذوره، ويحرف مساره؟ حين ناداه الجهاد، لم يتردد لحظة. وصلته رسائل التخذيل وتحذيرات معاوية، فرد بقوله: “ما أظن لي عذراً عند الله في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك”، وهذا يؤكد أنه خرج لله وفي سبيل الله ونصرةً لدينه.
خرج من مكة بأهله وأصحابه الخمسين، وهو يعلم أن السيوف تنتظره في كل خطوة. ولكنه آثر أن يُقتل خارج الحرم على أن تُنتهك حرمة بيت الله. قالها بوعي القائد، وبصيرة الإمام الذي يرى ما لا يراه الآخرون: “لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تُستحل حرمة مكة”. ولو سكت الحسين، وبايع، لانتهى الدين. ولكنه خرج للجهاد، وهو يعلم أن يزيد لو لم يجده في كربلاء، لجاءه إلى مكة ليجبره على البيعة أو يقتله فيها. وقد رأينا ما فعل يزيد لاحقاً.. حين ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها. فأي حرمة بقيت بعد ذلك؟
واجه الحسين جيش يزيد بقلب يملأه الإيمان، قاتل حتى سقط جسده الطاهر بثلاثة وثلاثين جرحاً، كل جرح منها كان قصة بطولة، وكل قطرة دم شقت طريقاً للأحرار عبر الأزمان. فشهادته كانت نهوضاً للأمة كلها، وبعثاً لروح المقاومة. ثلاثة وثلاثون جرحاً كانت أوسمة أعلنت بدمه أن “الشهادة” سلاح لا يُهزم، وأن الدم حين يمتزج بالإيمان والحق يصبح أقوى من كل الجيوش، وأخلد من كل العروش.
وفي هذه الذكرى نستغرب كيف أن البعض يترضى على معاوية، ويمدح في ابنه المجرم الظالم يزيد! ما يجعلنا نتساءل: كيف نترضى على من غضب الله عليه وقد لعن الظالمين في كثير آيات بقوله: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}؟ كيف نترضى على من آذى الله ورسوله والذين آمنوا؟ وهم بنص القرآن لعنهم الله في الدنيا والآخرة.
فكيف نحن نرضى عليهم؟ بأي وجه نقابل رسول الله ونحن نمدح قاتل عترته الطاهرة؟
ثم إن الله تعالى رد على ادعاء البعض أن معاوية صحابي مؤمن ولكنه يحب الحكم والسلطة بقوله: { تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْـمُتَّقِينَ}. فالحرب لم تكن سوى بين الإيمان والكفر، وأما الذي يطلب العلو ويفسد في الأرض، إنهم فئة النفاق، وقد وصفهم الله أنهم أشد كفراً ونفاقاً، وجعلهم في الدرك الأسفل من النار لما يتسببون به من أذى للمسلمين وفتنة وتفرقة. لذلك، فإن كربلاء تحولت إلى منهج حياة، إلى مدرسة للثوار والأحرار، وصراع الحق والباطل أزلي إلى قيام الساعة. وقد لحق بالحسين الإمام زيد فرفض الظلم والفساد وثار كما فعل جده حتى استشهد، وقد أحياها في زماننا الإمام الخميني ضد الاستكبار العالمي، وجسدها السيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في مشروعه القرآني، وحملها الشهيد الرئيس صالح الصماد بصموده وصلابته. وامتدت الراية إلى السيد الشهيد حسن نصر الله الذي ختم عمره بالعزة والشهادة، وإلى الشهيد الإمام السيد علي خامنئي، والى ولده مجتبى وصولاً إلى السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله.
ختاماً نؤكد ان السكوت على دم الحسين جريمة، والتبرير له خيانة، والترضي على قاتله نفاق، والصلاة على آل محمد والسكوت عن من قتلهم كلها من صفات النفاق الأكبر الذي يطعن في صميم الإيمان.
