لم تكن كربلاء والعاشر من محرم مجرد صفحة طواها الزمان، أو واقعة جغرافية حدها تراب الطف؛ بل هي الضمير الأخلاقي الخالد و الجرح الإنساني المفتوح، الذي يرفض الشفاء كلما وقف الحق أعزل أمام ترسانة الطغيان.
إنها الفكرة المعيارية التي تولد من جديد في كل عصر، لتسألنا بمرارة: أين كربلاء اليوم؟
والجواب ينبثق من قلب النزيف السوري، حيث تحول التاريخ من حكاية تُروى إلى واقع يُعاش، وحيث يتجاوز الحسين الزمن ليصبح الروح الساكنة في جسد كل حر رفض أن يبيع كرامته مقابل النجاة، وآثر الموت واقفاً على أن يرى مبدأه ينحني.
وفي المقابل، يخلع الطغيان أسماءه القديمة ليتجسد “يزيد” في كل سلطة معاصرة تقتات على الخوف، وتجعل من البندقية أداة لإخضاع الأحرار، وتكميم أفواههم، وإعادة إنتاج الاستبداد تحت أي راية كانت.
وفي هذا المشهد الوجداني الممتد، يتشابك النزيفان؛ فلم يعد العطش الكربلائي مجرد حرمان من قطرات الماء، بل غدا غصة في حلق السوريين الذين يُحاصرون في لقمة عيشهم ويمارس ضدهم أبشع سياسات الافقار والتجويع.
وكما التهبت الخيام في الطف جاءت نيران الحقد الطائفي البشع إلى بيوت الساحل السوري وقراه، لتلتهم الذكريات والأسقف، ويغادرها أهلها مثقلين بالفقد والدموع، يعيدون رسم مشهد التشريد ذاته بملامح معاصرة.
ولعل الوجع الأكثر إيلاماً والذي يمزق نياط القلوب هو صدى مأساة “السبي”؛ تلك التي لم تستهدف الأجساد بل استهدفت أقدس ما تملكه الإنسانية: الكرامة.
فحين تعرضت النساء السوريات العلويات، للاعتقال والخطف والانتهاك لكسر إرادة المجتمع، تراءى في الأفق صدى موكب السبايا الحزين، وترددت في كل صرخة أنثى نبرةٌ من صوت زينب وهي تساق أسيرة، ليتجاوز الألم حدود الطائفة والانتماء ويهز عرش الإنسانية المشترك.
إنها الحقيقة اللامتناهية؛ المستبدون على اختلاف راياتهم ومسمياتهم يتطابقون في التنكيل والبطش، والأحرار على مدى العصور يتوحدون في الموقف والدم.
ولهذا لا تموت كربلاء، بل تبعث مع كل فجر؛ لأن صراع الحق والقوة لا ينتهي بانتهاء المعارك الميدانية. لقد انتصر السيف في الطف لساعات وغمرت النشوة قلب الطاغية، لكن الفكرة هي التي ربحت القرون والتاريخ، بينما تلاشت عروش الظالمين كالغبار.
وفي كل أرض يشتد فيها الكرب، قد تتأخر فيها العدالة ويدفع الأبرياء أثماناً باهظة من دمائهم وأرواحهم، لكن القيمة الأخلاقية تبقى حية في الوجدان، فكلما ظن الظلم أنه أحكم قيده وأطفأ شعلة الأحرار، ولدت كربلاء من جديد، كنبضة غاضبة في قلب كل إنسان حر، يأبى أن ينحني.

