إن “كيّ الوعي” ليس زراً تكنولوجياً يُضغط عليه في أروقة الحرب النفسية ليتحقق في توه، ولا يمكن استنتاجه من أجساد تنزف وقلوب مفجوعة. الوعي البشري في قلب الإبادة يتنقل تلقائياً إلى النمط الأكثر أصالة ورسوخاً: “إدارة غريزة البقاء والتصدي للمحو”. إن الانشغال بالبقاء ورفض الفناء في قلب أعتى آلات الموت هو أول أشكال العصيان الثوري وأشدها إيلاماً للعدو، لأنه يُحبط غايته التأسيسية الأولى وهي المحو الكامل وإلغاء الوجود الإنساني. إن عملية كيّ الوعي تقتضي بشرطها البنيوي إقناع الضحية بشرعية المستعمر وروايته، وهو ما يستحيل تحققه في لحظة القتل العاري، إذ إن الإبادة لا تُقنع أحداً، بل تجعل العدو مكشوفاً كخطر وجودي لا يمكن التعايش معه، بل إن الإبادة هي الملاذ البائس للعدو بعد أن فشل في محاولات كي الوعي وفرض الاستسلام والقبول بوجوده.
ويظل الوعي حالةً لا تقاس بالقابلية اللحظية لخوض المعارك العسكرية التقليدية أثناء النزيف، بل بصلابة “البوصلة المعرفية” التي تختزن الجريمة وتورّث الحق وتُعلي القيم الإنسانية، والعدو بتوحشه لم يزد هذا الوعي إلا صقلاً وتكثيفاً وتأكيداً على أن الخلاص منه هو شرط الحياة الوحيد. كل هذا يوضح الصورة القائمة، لقد فقد الكيان الصهيوني إمكانات استمراره، لقد خسر كل ما راكمه من روايات. بصقه العالم كما يبصق لقمةً عفنة، وهو الآن يأكل نفسه معزولاً عن شعوب العالم. في حين، نحن بجوعنا وعرينا، نطعم الدنيا ما اشتهته عقوداً طويلة من أمل وبطولة.
لهذا السبب، يتوجب الانتقال فوراً من الأسئلة التقليدية العاجزة إلى السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجّه لهذه اللحظة الفارقة: هل استطاعت الإبادة، بكل توحشها، أن تهزم الرغبة في الحياة؟ وهل استطاعت آلة الفناء أن تكسر الجوهر الأخلاقي والإنساني في الضحية؟ إن الإجابة الشاخصة أمام أعيننا تُسقط كل قراءة يائسة، فعندما ينثر أهلنا الأرز على جثامين الشهداء وهم يموتون جوعاً، وعندما يزرعون الورد فوق القبور بعد أن أحرق العدو كل حدائقهم، وعندما تسهر ناجيةٌ وحيدة فوق أنقاض منزلها الذي لم تُرفع جثامين عائلتها من تحته بعد لتدرس وتتفوق، وعندما تترسخ قيم التكافل وتنظيم الحياة بين الركام، وعندما تصدح الحناجر بأجمل الأغنيات أثناء العودة للقرى المدمرة، وعندما يُخترع طرفٌ صناعيٌّ من أنابيب بلاستيكية بالية… فإننا لا نرى مجرد محاولات للعيش، بل نرى التجلي الأعظم للمقاومة وللإرادة الإنسانية وهي تهزم أعتى آلات القتل. إن فعلاً واحداً من هذه الأفعال في زمن الإبادة يزن في ميزان التاريخ آلاف العمليات العسكرية في الأزمنة العادية، إنه البرهان القاطع على أن الروح لم تُهزم، وأن قيم الخير والحق والجمال قد نجت، وأن الشعب الذي يبتكر الحياة من بين فكي الموت هو الذي سيكتب حتماً الفصل المقبل من تاريخ هذه الأرض.
ومن رحم هذه القراءة تحديداً يولد استحقاق كبير والتزام أخلاقي وطني أكبر، وهو رد على كل الواهمين بالمساومة ومفاوضة العدو، وكل المصابين بنقص الكرامة الإنسانية: إن حجم التضحيات التي قدمناها والأثمان الباهظة التي دفعناها من أرواح أحبتنا، ودماء شهدائنا، وركام بيوتنا ومدننا المسلوبة، قد تجاوزت بالكامل مجرد التلميح بأي مساومة أو تسوية ناقصة. لا يملك أحدٌ على هذه الأرض حق تقزيم هذه الدماء أو مقايضتها بأنصاف حلول أو صفقات كسيرة تُبقي الكيان الغاصب جاثماً على أنفاس شعوبنا.
إن التضحيات التي تغمدت بأزكى الدماء أغلقت أبواب التراجع إلى الأبد، وأصبحت عهداً مطلقاً يصون القضية من التبدد والفناء. لقد دفعنا الثمن الأعظم والأفجع لكي ننتزع الحق كاملاً، فلن نرضى بأقل من الحرية الأصيلة الكاملة، والسيادة الناجزة، والتحرير غير المنقوص. إن هذه الدماء الزكية لم تُرَق لنفاوض على حجم سجوننا، بل لكي تُهدم هذه السجون على رأس سجانيها ويُقتلع المشروع الغاصب من جذوره.
لذا، فإن الإيمان بحتمية التاريخ وزوال المحتل ليس دعوة إلى الركون والتواكل أو انتظار معجزة تحسم الصراع بالنيابة عنا، حتمية سقوط العدو وانتصار الشعوب لم تكن يوماً حتمية ميكانيكية تحركها الأقدار بمعزل عن الفعل البشري، بل هي حتمية يُنتجها المناضلون بأيديهم وصبرهم وعرقهم وفعلهم الثوري اليومي.
إن تاريخ التحرر لا يسير بالقفزات الكبرى وحدها، بل تتراكم أحداثه من ألوف التفاصيل والأعمال الصغيرة التي قد تبدو لأصحابها بلا أثر، فكل كلمة، وكل فعل، وكل موقف، وكل لفتة في السياق الثوري مهما كانت صغيرة، هي مداميك صلبة تشيد في بنيان الحرية. إن الحتمية التاريخية هي نتاج الإيمان بالعمل الدؤوب العنيد، وهي صنيعة الثوريين المؤمنين، الذين يبنون يقينهم بالحقيقة من خلال تراكم أفعالهم وإسنادهم الواعي والصلب لمسار المواجهة. كل صمود جزئي، وكل تراكم في العمل اليومي، يسهم في تسريع لحظة الانهيار الذاتي للعدو، وتحويل متوالية إفلاسه إلى سقوط حتمي ناجز.
إن القهر عابر مهما طال ليله، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، وتتمسك بأرضها، وتتسلح بإنسانيتها، وتصون تضحياتها الجسام بعظيم الوفاء، وتؤمن بفعلها الصغير والكبير، هي الوحيدة التي تملك المفاتيح الحقيقية للمستقبل، بينما يذهب الغزاة وأسلحتهم دوماً إلى هامش التاريخ ودروسه العابرة.
آدم كنعان
كاتب فلسطيني
