في مسارها نحو استعادة الحق وهزيمة العدوان، تدخل الشعوب وحركاتها التحررية وقواها الثورية في محطات فارقة شديدة القسوة، محطات يوغل فيها العدو في القتل والتدمير والإبادة الشاملة، مراهناً على كسر إرادة الحياة، وغرس اليأس في النفوس، واغتيال الإيمان بالخلاص. في هذه اللحظات بالذات، تتجلى الحاجة الماسّة إلى قراءة ثورية متماسكة لأدق تفاصيل الواقع. إنها القراءة التي تشكل الحَدَّ الفاصل بين السقوط في وهم الهزيمة وبين النهوض الواعي، قراءة ترفض أن ترى في بطش العدو علامة قوة، فترى من خلف ستار النار والدخان إشارات انحلاله واحتضاره.
هذا البيان إلى أهلنا وأحبتنا، إلى أولئك الذين قدموا أغلى ما يملكون وخسروا مدنهم وقراهم وأحبتهم في فلسطين ولبنان وعلى امتداد ساحات المواجهة مع المشروع الصهيو-أمريكي، ليكون محاولةً لوضع الإبادة في نصابها الصحيح، ولنكون ليس كما أرادنا العدو ضحايا مستسلمين عاجزين حتى عن الرؤية والحلم، بل شهوداً أصليين على عصر أفول وتفكك هذا المشروع الغاصب وإفلاسه الوجودي الأخير.
ثمة وهم بنيوي يصيب كل شكل من أشكال الاستعمار في ذروة بطشه، وهو الاعتقاد بأن امتلاك اللحظة التاريخية بواسطة العنف الفائق يعني حكماً امتلاك التاريخ كله، غير أن التحليل العميق يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً، إن القوة الغاشمة حين تصل إلى مرحلة الإبادة الشاملة والقتل العاري، لا تعبر عن فائض قدرة أو مشروعية، بل تعلن عن لحظة إفلاسها الوجودي الكامل. وهذا هو موقع الكيان الصهيوني الآن ومن معه من حلفاء وداعمين ورعاة. لا يستطيع الكيان الغاصب أن يتبنى القتل والإبادة بدم بارد، ولا أن يحول الفناء إلى أداة سياسية يومية، إلا بعد أن يكون قد أجهز بالكامل على جميع ما حاول تمثّله من أخلاقيات وإمكانيات إنسانية. إنه يُقدم على التدمير المطلق للآخر لأن هويته بطبيعتها تطرد ما هو إنساني في ذاتها، فتتحول آلة القتل لديه من وسيلة مزعومة لحفظ البقاء، إلى عبءٍ ثقيل يُجرّده من أقنعته وأدواته ويحيله إلى مجرد وحش ميكانيكي معزول عن نواميس الحياة.هكذا يصبح البطش استعراضاً مرتبكاً للهشاشة والرعب الداخلي وعقدة النقص. كلما تعاظم سفك الدماء، تساقطت الأقنعة وانكشفت حقيقته أمام شعوب العالم التي شُكّل وعيها في الماضي للقبول بدعايته حول الحداثة والديمقراطية والتعايش. لقد انفجرت فقاعة تفوقه الأخلاقي المزعوم، وبات يرى في محو الآخرين محاولته البائسة الأخيرة لفرض واقعٍ اصطنعته القوة في منطقةٍ أُريد لها أن تبقى مستكينة ومسلوبة الإرادة.هذا الانكشاف العالمي يضع الاستعمار في مأزقه الهيكلي الأعمق، فالقوة العارية تحول صاحبها إلى كائن مهووس بالريبة المطلقة من كل ما حوله. ولأن الغاصب يعلم في أعماقه أنه بلا جذور، فإنه يقع في متوالية دموية لا تنتهي، يمارس القتل ليثبت سيطرته، فيواجه صموداً ومقاومة ، ما يدفعه لمضاعفة المحو ليداري عجزه. هذا الارتهان للعنف العاري لا يُنتج شرعية، بل يُنتج قطيعة تامة مع حركة التاريخ الطبيعية، ويجعل من مشروع الاحتلال مجرد ثكنة عسكرية منبوذة لا تملك أي إجابات للمستقبل، فتفشل كل مساعي تحوله إلى كيان طبيعي مدموج في عالمنا.
إن القوة حين تُفصل عن الإنسانية وتتحول إلى غاية في ذاتها تتجرد من الحكمة، فتصبح طاقة تبديد مجردة تنتهي باستهلاك نفسها وإحراق شروط وجودها البنيوية، تماماً كما تستهلك النار الحطب حتى تلتهم جمرها في النهاية.يمكن تفكيك بنية الكيان الصهيوني الراهنة عبر ما يُعربـ “الانتصار الذاتي المستحيل”. يقع الغاصب في فخ معرفي حين يظن أن إخضاع الجسد أو تدمير العمران هو إخضاع للحق، يستطيع العنف أن يحقق سيطرة فيزيائية في لحظة زمنية محددة، ولكنه عاجز كلياً عن تحقيق “سيطرة وجودية”.
هنا يتعمق التناقض بين مشروع المستعمر في التحول إلى وطن وبين الواقع الرافض المقارم، فمفهوم الوطن الذي وعدت به الصهيونية “يهود العالم” لن يتشكل عبر قرار عسكري، ولن يُبنى فوق جثث الضحايا وركام المنازل المسلوبة، كما لم يتشكل سابقاً عبر الخداع والأوهام والدعاية الفاجرة، ولا عبر السطو على الأراضي واستطيانها وتفريغ أهلها منها، لأن الوطن في جوهره هو “اتصال روحي وأخلاقي بالزمان والمكان، وهو مهد العلاقات الإنسانية في أرقى تجلياتها بين فئات الشعب الواحد من ناحية، وبينه وبين محيطه القريب والبعيد من ناحية ثانية”.وحين يحاول الغاصب إحلال ذاته محل أصحاب الأرض بالقوة، فإنه يصطدم بالغرباوية الذاتية، يظل الكيان المستعمر غريباً عن الأرض التي يغتصبها، تشعره كل صخرة وكل شجرة وكل كلمة وأهزوجة وطقس وعادة بأنه طارئ وعابر، مما يضاعف من حالة الذعر لديه، فيستعيض عن الانتماء الأصيل بمزيد من التدمير والبطش. هكذا تنقلب القوة إلى حساسية مفرطة من الفناء، ويتحول الحصن العسكري إلى سجن كبير للمحتل نفسه، يحرسه الخوف وتطوقه أسئلة التاريخ العصية على الإجابة.وهنا تتجلى الفلسفة التاريخية لتآكل الإمبراطوريات التي اعتمدت القوة مادةً للوجود.
في التجربة التاريخية يُثبت المسار الإنساني أن الكيانات القائمة على الغصب تتداعى عبر ما يُعرف بفقدان التوازن البنيوي والانهاك الذاتي. القوة العسكرية المفرطة تتطلب بالضرورة تمدداً استنزافياً لا ينتهي، وبناء مجمعات قمعية تتضخم ذاتياً على حساب كل ما هو حيوي وإنساني، مما يزرع التآكل في أحشاء الإمبراطورية قبل أن تطالها ضربات الخارج.وفي المقابل، فإن الشعوب المستَعمرة والتي تُمارَس ضدها الإبادة، تخوض معركتها من موقع الاستماتة الوجودية والوعي التاريخي العميق. إن الروح الإنسانية في الضحية لا تتلاشى أمام الآلة العسكرية، بل تستعيد جوهرها العصي على الخضوع، فكل روح تُزهق ظلماً، وكل قطرة دم تُراق فوق أرض مسلوبة، تتحول إلى ذاكرة حية وقوة تاريخية يصعب إخضاعها. الإنسان الحر يحمل حقه في لغته وثقافته وذاكرته وحكاياته وأسماء تضاريس أرضه، ويورث هذا الوعي لأبنائه كشرط أساسي للبقاء، مما يجعل محاولة محوه عملاً مستحيلاً من الناحية العلمية والتاريخية. إن الإبادة قد تكسر أجساداً وتدمر عمراناً وتحدث وجعاً شاسعاً، لكنها تفشل بالكلية في اغتيال “الفكرة” أو محو “الحق”، بل إن شراسة القمع تعمل كعامل تحفيزي يراكم الوعي الجماعي وينقله من جيل إلى جيل، ليصبح الصمود ممارسة حياتية يومية ترفض التسليم بالظلم كقدر نهائي.
إن أصالة الذاكرة تمنح الضحية تفوقاً أخلاقياً ووجودياً دئماً على الغاصب. فبينما يحاول الاحتلال هندسة النسيان وفرض رواية مصنوعة تقوم على المحو والتزييف، تمتلك الشعوب المقاومة قدرة عجيبة على استيعاب مأساتها وتحويلها إلى وقود معرفي ونضالي. والذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع عاطفي للماضي، بل هي “سلاح استراتيجي” يتحدى محاولات التذويب، إنها الوعي المتراكم عبر العقود والأجيال الذي يشكل ما يمكن تسميته بـ “البنية الصلبة للهوية”، وهي بنيّة عابرة للمصاعب والتضحيات، ومستعصية على التفكيك بوسائل العنف التكنولوجي الحديث مهما بلغت قسوته وتطوره.وهنا يتبدى الفرق الشاسع بين مفهومين للزمان: “الزمان اللحظي المحدود” الذي يعتمد عليه الغاصب، و”الزمان التاريخي التراكمي” الذي تراهن عليه الشعوب. الغاصب يعيش تحت ضغط الزمن، لأنه محكوم بمدى قدرته على حشد القوة والحفاظ على الجاهزية العسكرية والتمويل الاقتصادي، وهو يعلم أن أي خلل في ميزان القوة أو أي تغير في الظروف الجيوسياسية سيكشف عريه وهشاشته ويضعه أمام الفناء. أما الشعوب الأصلية في نشأتها ووجودها، فإنها تتحرك في زمان ممتد مفتوح على المستقبل، لا يقاس بالسنوات أو العقود، بل بتحقق العدالة وكرامة البقاء. إنها تعي بفطرتها أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن بطش الغزاة ليس سوى فترات استثنائية طارئة في تاريخ الأرض الطويل. هذا الصبر الاستراتيجي هو الذي يتيح للشعوب امتصاص الصدمات، والاستمرار في العطاء، وتجديد أدوات النضال بما يتماشى مع كل عصر ومرحلة.
إن الدعوة إلى القراءة المؤمنة بحتميات التاريخ لا تعني مطلقاً الدعوة للتعالي على مشاعر الفقد الحارقة، ولا إغفالاً لمنسوب الحزن والمستويات المفجعة من الغضب والإحساس بالظلم. هذا الغضب وهذا الحزن المُر هما الصرخة الوجودية الأكثر إنسانية في وجه التوحش، وهما الدليل الأكبر على أهليتنا للحياة و حفاظنا على الفطرة البشرية في زمن تجرد فيه العدو من كل قيمة إنسانية.
إن إنسانيتنا هي مصدر طاقتنا، وهي التي تنفخ الروح في صمودنا حتى لا نتحول إلى كائنات متبلدة تعتاد المأساة. لكن الغضب والحزن النبيل يجب أن يشكلا في الوقت ذاته جداراً منيعاً في وجه محاولات سيطرة اليأس وفقدان الثقة والإيمان بحتمية الانتصار. فهذه المشاعر السلبية لم تكن يوماً نتيجة فعل خارجي، بل تنمو من الداخل وتنتشر في المساحات التي ينسحب منها الإيمان بالعمل والثقة بالنصر، ويتراجع فيها الفكر الثوري الصلب لصالح قراءات انفعالية لحظية بائسة. لذلك فإن اليأس أولاً هو وليد قراءات عاجزة وخاطئة، أو متعجلة في أحسن الأحوال. إن الخطأ المعرفي الأكبر الذي يقع فيه البعض عند قراءة الإبادة الشاملة في فلسطين ولبنان على وجه التحديد، هو الذهاب إلى محاكمة مجتمعات تُباد وتُسحق بنيتها التحتية والحيويّة بأدوات ومعايير تقييم تقليدية ولا منطقية، أدوات لا تصلح إطلاقاً لفهم هذه اللحظة الاستثنائية من التاريخ.
إن إصدار الأحكام السريعة، أو البحث عن نتائج سياسية وعسكرية لحظية، أو التفتيش عن أشكال المواجهة التقليدية لدى أناسٍ يرزحون تحت أعتى أشكال الموت والتجويع، هو اقتطاعٌ مجحف للنص من سياقه الوجودي. إن المنشغلين اليوم تحت الركام بتدبير قوت يومهم، وتأمين كسرة خبزهم وشربة ماء لأطفالهم، والبحث عن سقف يستر أجسادهم، يمارسون العبء الأقصى للوجود الإنساني، ومن ثمّ فإن محاكمتهم، أو التفتيش في سلوكهم اليومي عن مؤشرات على الهزيمة، أو على “كيّ الوعي” أو نجاح العدو في إخضاعهم، هو عجزٌ معرفي يجهل طبيعة السيكولوجيا البشرية في أوقات الإبادة الفائقة.
إن “كيّ الوعي” ليس زراً تكنولوجياً يُضغط عليه في أروقة الحرب النفسية ليتحقق في توه، ولا يمكن استنتاجه من أجساد تنزف وقلوب مفجوعة. الوعي البشري في قلب الإبادة يتنقل تلقائياً إلى النمط الأكثر أصالة ورسوخاً: “إدارة غريزة البقاء والتصدي للمحو”. إن الانشغال بالبقاء ورفض الفناء في قلب أعتى آلات الموت هو أول أشكال العصيان الثوري وأشدها إيلاماً للعدو، لأنه يُحبط غايته التأسيسية الأولى وهي المحو الكامل وإلغاء الوجود الإنساني. إن عملية كيّ الوعي تقتضي بشرطها البنيوي إقناع الضحية بشرعية المستعمر وروايته، وهو ما يستحيل تحققه في لحظة القتل العاري، إذ إن الإبادة لا تُقنع أحداً، بل تجعل العدو مكشوفاً كخطر وجودي لا يمكن التعايش معه، بل إن الإبادة هي الملاذ البائس للعدو بعد أن فشل في محاولات كي الوعي وفرض الاستسلام والقبول بوجوده.
ويظل الوعي حالةً لا تقاس بالقابلية اللحظية لخوض المعارك العسكرية التقليدية أثناء النزيف، بل بصلابة “البوصلة المعرفية” التي تختزن الجريمة وتورّث الحق وتُعلي القيم الإنسانية، والعدو بتوحشه لم يزد هذا الوعي إلا صقلاً وتكثيفاً وتأكيداً على أن الخلاص منه هو شرط الحياة الوحيد. كل هذا يوضح الصورة القائمة، لقد فقد الكيان الصهيوني إمكانات استمراره، لقد خسر كل ما راكمه من روايات. بصقه العالم كما يبصق لقمةً عفنة، وهو الآن يأكل نفسه معزولاً عن شعوب العالم. في حين، نحن بجوعنا وعرينا، نطعم الدنيا ما اشتهته عقوداً طويلة من أمل وبطولة.
لهذا السبب، يتوجب الانتقال فوراً من الأسئلة التقليدية العاجزة إلى السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجّه لهذه اللحظة الفارقة: هل استطاعت الإبادة، بكل توحشها، أن تهزم الرغبة في الحياة؟ وهل استطاعت آلة الفناء أن تكسر الجوهر الأخلاقي والإنساني في الضحية؟ إن الإجابة الشاخصة أمام أعيننا تُسقط كل قراءة يائسة، فعندما ينثر أهلنا الأرز على جثامين الشهداء وهم يموتون جوعاً، وعندما يزرعون الورد فوق القبور بعد أن أحرق العدو كل حدائقهم، وعندما تسهر ناجيةٌ وحيدة فوق أنقاض منزلها الذي لم تُرفع جثامين عائلتها من تحته بعد لتدرس وتتفوق، وعندما تترسخ قيم التكافل وتنظيم الحياة بين الركام، وعندما تصدح الحناجر بأجمل الأغنيات أثناء العودة للقرى المدمرة، وعندما يُخترع طرفٌ صناعيٌّ من أنابيب بلاستيكية بالية… فإننا لا نرى مجرد محاولات للعيش، بل نرى التجلي الأعظم للمقاومة وللإرادة الإنسانية وهي تهزم أعتى آلات القتل. إن فعلاً واحداً من هذه الأفعال في زمن الإبادة يزن في ميزان التاريخ آلاف العمليات العسكرية في الأزمنة العادية، إنه البرهان القاطع على أن الروح لم تُهزم، وأن قيم الخير والحق والجمال قد نجت، وأن الشعب الذي يبتكر الحياة من بين فكي الموت هو الذي سيكتب حتماً الفصل المقبل من تاريخ هذه الأرض.
ومن رحم هذه القراءة تحديداً يولد استحقاق كبير والتزام أخلاقي وطني أكبر، وهو رد على كل الواهمين بالمساومة ومفاوضة العدو، وكل المصابين بنقص الكرامة الإنسانية: إن حجم التضحيات التي قدمناها والأثمان الباهظة التي دفعناها من أرواح أحبتنا، ودماء شهدائنا، وركام بيوتنا ومدننا المسلوبة، قد تجاوزت بالكامل مجرد التلميح بأي مساومة أو تسوية ناقصة. لا يملك أحدٌ على هذه الأرض حق تقزيم هذه الدماء أو مقايضتها بأنصاف حلول أو صفقات كسيرة تُبقي الكيان الغاصب جاثماً على أنفاس شعوبنا.
إن التضحيات التي تغمدت بأزكى الدماء أغلقت أبواب التراجع إلى الأبد، وأصبحت عهداً مطلقاً يصون القضية من التبدد والفناء. لقد دفعنا الثمن الأعظم والأفجع لكي ننتزع الحق كاملاً، فلن نرضى بأقل من الحرية الأصيلة الكاملة، والسيادة الناجزة، والتحرير غير المنقوص. إن هذه الدماء الزكية لم تُرَق لنفاوض على حجم سجوننا، بل لكي تُهدم هذه السجون على رأس سجانيها ويُقتلع المشروع الغاصب من جذوره.
لذا، فإن الإيمان بحتمية التاريخ وزوال المحتل ليس دعوة إلى الركون والتواكل أو انتظار معجزة تحسم الصراع بالنيابة عنا، حتمية سقوط العدو وانتصار الشعوب لم تكن يوماً حتمية ميكانيكية تحركها الأقدار بمعزل عن الفعل البشري، بل هي حتمية يُنتجها المناضلون بأيديهم وصبرهم وعرقهم وفعلهم الثوري اليومي.
إن تاريخ التحرر لا يسير بالقفزات الكبرى وحدها، بل تتراكم أحداثه من ألوف التفاصيل والأعمال الصغيرة التي قد تبدو لأصحابها بلا أثر، فكل كلمة، وكل فعل، وكل موقف، وكل لفتة في السياق الثوري مهما كانت صغيرة، هي مداميك صلبة تشيد في بنيان الحرية. إن الحتمية التاريخية هي نتاج الإيمان بالعمل الدؤوب العنيد، وهي صنيعة الثوريين المؤمنين، الذين يبنون يقينهم بالحقيقة من خلال تراكم أفعالهم وإسنادهم الواعي والصلب لمسار المواجهة. كل صمود جزئي، وكل تراكم في العمل اليومي، يسهم في تسريع لحظة الانهيار الذاتي للعدو، وتحويل متوالية إفلاسه إلى سقوط حتمي ناجز.
إن القهر عابر مهما طال ليله، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، وتتمسك بأرضها، وتتسلح بإنسانيتها، وتصون تضحياتها الجسام بعظيم الوفاء، وتؤمن بفعلها الصغير والكبير، هي الوحيدة التي تملك المفاتيح الحقيقية للمستقبل، بينما يذهب الغزاة وأسلحتهم دوماً إلى هامش التاريخ ودروسه العابرة.