الجنوب بين «اتفاق الإطار» و«الواقع الوضعي»: حين تسبق الجرافةُ الدبلوماسيةَ…!

د. ليندا غدار

ما أصعب أن يقف الإنسان عاجزاً، وهو يرى شقى عمره يترمّد أمام عينيه. لكن ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني يتجاوز هدم بيت أو اقتلاع شجرة؛ نحن أمام خطر أعمق: جرف المكان نفسه، ومحاولة محو البنية الجغرافية والعمرانية للقرى.
ما يجري على طول ما بات يُعرف بـ”الخط الأصفر” ليس مجرد إجراء أمني مؤقت. فـ “إسرائيل”، التي تتمركز داخل أراضٍ لبنانية وتربط انسحابها بشروط تتصل بنزع السلاح، تواصل في الوقت نفسه عمليات الهدم والتجريف. وقد وثقت تقارير دولية وصوَر الأقمار الصناعية تسوية عدد من القرى بالأرض، بما في ذلك المنازل والمدارس والمعالم التاريخية.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: بينما تجلس السلطة اللبنانية على طاولة التفاوض، تعمل الجرافات على الأرض وكأنها ترسم واقعاً جديداً قبل انتهاء التفاوض. إنها معادلة موجعة: تفاوض على الورق، وجغرافيا تتغيّر على الأرض.
فـ “إسرائيل” تتعامل مع الميدان وفق المذهب الفلسفي “الوضعية المنطقية” كما أشار د. حبيب فياض، فلا قيمة عندها للنصوص ما لم تترجم إلى وقائع مادية. وبينما تكتفي سلطتنا بـ”اتفاق الإطار” كمشروع سياسي مؤجل، تحوله “إسرائيل” إلى مظلة زمنية لإعادة تشكيل جغرافية الجنوب، ليصبح أيّ اتفاق مستقبلي مجرد توقيعٍ على واقع ناجز فرضته الجرافات.
فالأرض التي تُجرَف اليوم ليست مجرد تراب؛ هي حدود قرية، طريق يصل منزلاً بحقل، بئر ومجرى ماء، شجرة زيتون زرعها الجدّ، مدرسة لأولاد القرية، مسجد ومئذنة، حسينية، مقبرة، حجارة بيت قديم، ومعلم تاريخي. حين تُزال هذه العناصر كلها، لا يُستهدف الحجر وحده، بل النسيج الاجتماعي للقرية، ذاكرة وعلاقات وأسماء لا يمكن نقلها إلى مكان آخر.
وهذا تحديداً ما يجعل التجريف أخطر من القصف في بعده الاستراتيجي. القصف يترك ركاماً، أما الجرافة فتسوّي الركام بالأرض وتزيل الشواهد التي تقول: “هنا كانت قرية”. إنها محاولة لتحويل المكان من حيّز مأهول إلى حيّز قابل للسيطرة.
وهنا لا بدّ من طرح السؤال الأكبر: هل نحن أمام تدمير نتيجة حرب، أم أمام إعادة هندسة جغرافية مقصودة؟ كلّ يوم يمرّ تتغيّر فيه الأرض، وكلّ منزل يُهدم وكلّ معلم يتهاوى، يجعل عودة الأهالي أكثر تعقيداً، واستعادة شكل القرية الأصلي شبه مستحيل. لقد أصبح الزمن نفسه جزءاً من المعركة؛ “إسرائيل” لا تحتاج فقط للسيطرة على الأرض، يكفيها أن تغيّرها بما يجعل السيطرة عليها أمراً واقعاً.
لقد دخل لبنان في مسار تفاوضي برعاية أميركية، فيما تربط “إسرائيل” الانسحاب بنزع سلاح حزب الله. وهنا السؤال الذي يجب ألا تهرب منه السلطة: إذا كانت تعرف أنّ نزع السلاح ليس مسألة قابلة للحسم بمجرد توقيع ورقة، فلماذا تسمح بأن يتحوّل هذا الشرط إلى مظلة زمنية مفتوحة أمام استمرار الاحتلال وتغيير الأرض؟
التفاوض أداة سياسية مشروعة عندما يحمي الحقوق، لكن الخطر يبدأ حين يتحوّل إلى زمن مجاني يمنح الطرف الأقوى فرصة تغيير الوقائع. فما قيمة أيّ اتفاق إذا وصلنا إليه بعد أن مُسحت معالم القرى؟ وما قيمة الحديث عن الانسحاب إذا أصبحت الأرض مختلفة جذرياً عما كانت عليه؟

المطلوب اليوم…

أولاً: اعتبار عمليات التجريف ملفاً وطنياً وسيادياً مستقلاً، وليس مجرد تفصيل عسكري.
ثانياً: توثيق كلّ عملية هدم بالصوَر والأقمار الصناعية والخرائط، وتحويلها إلى ملف قانوني متكامل.
ثالثاً: رفع ملف الاعتداء على التراث الثقافي والمنشآت المدنية إلى القضاء الدولي.
رابعاً: وضع حدّ زمني واضح لأيّ مسار تفاوضي، لأنّ المفاوضات المفتوحة زمنياً تثبت الاحتلال.
خامساً: إطلاق حوار وطني يحدّد ثوابت التفاوض وسقوفه، بحيث لا يتحوّل شرط نزع السلاح إلى ذريعة لإبقاء الاحتلال إلى أجل غير معلوم.
يا سلطة لبنان… الجنوب ليس مساحة فارغة لإعادة رسمها بالجرافات. إنهم لا يهدمون بيتاً فقط، بل يحاولون هدم العلاقة بين الإنسان وأرضه. ولا يقتلعون شجرة فقط، بل شاهداً على أجيال. وحين تُسوّى القرية بالأرض، تختفي الشواهد التي تثبت أنّ هنا عاش شعب، وبنى، وزرع، وعلّم، ودفن موتاه.
المعركة اليوم ليست فقط على مَن يملك السلاح، بل على مَن يملك الأرض، ومَن يقرّر شكلها، ومَن يكتب تاريخها المقبل. فإذا صمتنا أمام جرف الأرض كما صمتنا أمام هدم البيوت، قد نستفيق ذات يوم لنسأل السؤال الأكثر إيلاماً: أين القرية التي كان بيتنا جزءاً منها؟
وهذه ليست قضية الجنوب وحده، بل قضية لبنان كله. لأنّ الدولة التي تسمح بتغيير جغرافيتها تحت ضغط الأمر الواقع، تفقد شيئاً من سيادتها مع كل متر يُجرف. وإذا كان التاريخ لا يرحم من يفرّط بالأرض، فلن يرحم من رأى الجرافات تغيّر الوطن واكتفى بالانتظار…

المصدر: صحيفة البناء