العام الهجري الجديد1448 : معجزة الصمود والكسر التاريخي لغطرسة الطاغوت
نبيل الجمل
تطلُّ علينا تباريكُ العام الهجري الجديد1448 ، الحامل في طياته ميقاتَ التحول وفجرَ الانعتاق، ليعلنَ دخول الأمة مرحلةً تاريخية فارقة، تتجاوز حدود الزمن لتصنع فقه المواجهة وصياغة الوعي الإنساني من جديد. فمع إشراقة هذا العام الفضيل، يقف العالم اليوم شاهداً على ملحمة كبرى تتكشف فيها الأستار، وتسقط الأقنعة الزائفة التي تلحّفت بها قوى الاستكبار العالمي عقوداً من الزمن. لقد تهاوت سرديات الديمقراطية وحقوق الإنسان الغربية، وانكشفت حقيقة السياسات الأمريكية والصهيونية ومن سار في فلكهم من عواصم الغرب وحكام العرب، وباتت تلك القوى عارية أمام شعوب الأرض، تظهر على حقيقتها كقوى هيمنة واستعمار وغطرسة، لا قوى سلام وعدل. ولم يقتصر هذا الفضوح التاريخي على العدو الخارجي فحسب، بل امتد ليعري عروشاً وحكومات عربية آثرت القعود، والزمها السكوت مخازي التواطؤ، وأحرق التطبيع ما تبقى لها من ماء وجه، لتتميز الصفوف تمايزاً برهن أن كرامة الأمة لا يصنعها المهرولون نحو سراب العبودية.
وفي مقابل هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي لمعسكر الاستكبار، يتجلى الصمود الأسطوري في غزة وفلسطين كمعجزة العصر التي أذهلت العقول، فهناك على أرض الأنبياء والشهداء، يقف الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة بوعي قرآني وثبات يضاهي الراسيات، يتحدون آلة القتل والدمار الصهيونية، متمسكين بخيار الجهاد حتى رحيل هذا الكيان المزعوم واقتلاعه من جذوره. ويتناغم هذا الثبات الفلسطيني مع البسالة المنقطعة النظير للمقاومة الإسلامية في لبنان، التي أذاقت العدو الأمرين، وضربت عمقه الإستراتيجي، وحوّلت غطرسته إلى عجز وتخبط، ليقف هذا الكيان الغاصب عاجزاً ومقيداً، غير قادر على تحقيق أي من أهدافه العسكرية أو السياسية في غزة أو لبنان، بالرغم من كل ما يمتلكه من ترسانات الغرب وأسلحة الفتك المحرمة.
إن هذا الكسر التاريخي لقرن الشيطان، يمتد ليشهد فشل القوى الكبرى وحلفائها أمام الجمهورية الإسلامية في إيران، التي أثبتت بشعبها الأبي وقيادتها الحكيمة وعمقها الإستراتيجي أنها القلعة الحصينة التي لا تنال منها المؤامرات، مسقطةً كل رهانات الحصار والترهيب، ومثبتةً للعالم أن السند العقائدي والسياسي للمستضعفين لا يهتز. ويلتحم في هذا المشهد المهيب محور المقاومة في يمن الإيمان والحكمة، وعراق العروبة والبطولة، لتتشكل معادلة ردع إقليمية ودولية جديدة، كسرت هيبة الطاغوت الأمريكي والصهيوني في البحار والميادين، وأثبتت أن الترسانة العسكرية الأقوى في العالم تخر صاغية ومندحرة أمام إرادة الشعوب المتحررة بثقافة القرآن. إن هذا العام الهجري ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو بوابة النصر المشرعة التي تؤكد أن زمن الهزائم قد ولى بلا رجعة، وأن دماء الشهداء وبسالة المقاومين تصنع اليوم فجر الحرية والتمكين للأمة، وتكتب فصلاً جديداً من فصول انتصار الحق ونهاية قوى البغي والاستكبار.
