خدمة العلم بين الإلغاء العربي والإصرار الإسرائيلي: ماذا تقول لنا هندسة الوعي؟
فاتنة علي،لبنان/سورية الطبيعية
في هندسة الوعي المجتمعي، لا توجد القرارات الكبرى بمعزل عن سياقها، ولا تتحول السياسات العامة إلى عادات راسخة من دون أن تترك آثارها في وعي الأجيال. ومن بين الملفات التي تستحق التوقف عندها ملف خدمة العلم: لماذا ألغتها أو جمّدتها دول عربية عديدة، في الوقت الذي ما زالت فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي تتمسك بالتجنيد الإلزامي، للذكور والإناث على حد سواء؟
السؤال هنا ليس دعوة آلية إلى إعادة الخدمة الإلزامية، ولا افتراضاً أن كل دولة تخلت عنها فعلت ذلك وفق مؤامرة واحدة. السؤال الأهم هو: ماذا يعني أن تتراجع ثقافة الخدمة العسكرية في مجتمعات تعيش في منطقة شديدة الاضطراب، بينما يصر خصمها الإقليمي على إبقاء المجتمع مرتبطاً بمؤسسته العسكرية؟
حين تصبح الخدمة العسكرية أكثر من مجرد خدمة
خدمة العلم ليست مجرد أشهر يقضيها الشاب داخل ثكنة عسكرية. في الدول التي تعتمدها على نطاق واسع، يمكن أن تتحول إلى مؤسسة لإعادة إنتاج العلاقة بين الفرد والدولة.
الشاب الذي يدخل الجيش يتعلم الانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، واستخدام السلاح، والتعامل مع الأزمات، وقد يخرج منه وهو يشعر أن الدفاع عن المجتمع ليس مهمة تخص فئة محددة من الجنود، بل مسؤولية عامة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المسألة.
إذا كانت الدولة ترى أن الدفاع عنها مهمة استثنائية يقوم بها جيش محترف فقط، فإن غالبية المجتمع تبقى خارج التجربة العسكرية. أما عندما يصبح الجيش مؤسسة يتصل بها معظم أبناء المجتمع، فإن مفهوم الأمن والدفاع يتحول إلى جزء من الثقافة العامة.
وهذا بالضبط أحد الجوانب التي تجعل تجربة دولة الاحتلال الإسرائيلي جديرة بالدراسة، بغض النظر عن الموقف السياسي والأخلاقي من المشروع الذي يمثله الاحتلال.
لماذا تتمسك دولة الاحتلال بالتجنيد؟
دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تنظر إلى الجيش باعتباره مؤسسة منفصلة تماماً عن المجتمع. الجيش، في تجربتها، جزء أساسي من بناء الدولة والهوية والأمن.
التجنيد الإلزامي يضع أعداداً واسعة من الشباب داخل المؤسسة العسكرية، ثم تستمر العلاقة مع الاحتياط بعد انتهاء الخدمة. وبذلك لا يصبح الجيش مجرد جهاز موجود لحماية الحدود، بل مؤسسة مرتبطة بشرائح واسعة من المجتمع.
وهذا يمنح دولة الاحتلال شيئاً مهماً للغاية في أوقات الحرب: مجتمعاً يمتلك خبرة عسكرية متراكمة وقاعدة بشرية واسعة يمكن تعبئتها عند الحاجة.
وهنا علينا أن نسأل:
إذا كان الخصم يرى أن امتلاك مجتمع قادر على التعبئة جزء من عناصر قوته، فلماذا تعاملت بعض المجتمعات العربية مع فكرة الارتباط بالمؤسسة العسكرية وكأنها عبء ينبغي التخلص منه؟
المفارقة العربية
المفارقة الأكثر إثارة ليست في وجود التجنيد الإلزامي في دولة الاحتلال وحده، بل في البيئة المحيطة بها.
نحن نتحدث عن منطقة شهدت حروباً متتالية، واحتلالات، وتدخلاً خارجياً، وصراعات على الحدود، وتغيرات جيوسياسية متسارعة. ومع ذلك، شهدت دول عربية عديدة إلغاء الخدمة الإلزامية أو تعليقها أو تقليصها، بينما اتجهت دول أخرى إلى جيوش أكثر احترافية وأقل ارتباطاً بالمجتمع المدني الواسع.
مرة أخرى، لا ينبغي اختزال المسألة في شعار: «دولة الاحتلال تفعل ذلك، إذن يجب علينا أن نفعل الشيء نفسه».
المقارنة الأصح هي:
ما الذي تكسبه الدولة عندما يكون مجتمعها قادراً على التعبئة؟ وما الذي تخسره عندما تصبح المعرفة العسكرية حكراً على مؤسسة محدودة العدد؟
فالدولة التي لا تملك مجتمعاً يعرف كيف يتعامل مع الأزمات والكوارث والتهديدات الأمنية قد تمتلك جيشاً جيداً، لكنها تظل أكثر اعتماداً على المؤسسة العسكرية وحدها.
وهل إلغاء التجنيد يعني إضعاف المجتمع؟
ليس بالضرورة.
هناك دول متقدمة لا تعتمد التجنيد الإلزامي، وتمتلك في المقابل جيوشاً قوية ومؤسسات دفاعية متطورة. لذلك فإن المشكلة ليست في وجود التجنيد أو غيابه بحد ذاته، بل في الفلسفة التي تحكم علاقة المجتمع بالدفاع عن الدولة.
يمكن لدولة أن تلغي الخدمة الإلزامية، لكنها تعوض ذلك بالتدريب المدني، والاحتياط المنظم، وبرامج الدفاع المدني، والتأهيل في مواجهة الكوارث والطوارئ، وترسيخ ثقافة المسؤولية الوطنية.
ويمكن لدولة أخرى أن تلغي الخدمة دون أن تبني بديلاً حقيقياً.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل تخلينا عن خدمة العلم لأننا طورنا نموذجاً أفضل، أم لأننا تخلينا تدريجياً عن فكرة أن المجتمع نفسه يجب أن يكون شريكاً في حماية الدولة؟
الفراغ لا يبقى فارغاً
حين ينسحب المجتمع من بعض مؤسسات الدولة، لا يعني ذلك أن الفراغ سيبقى فارغاً.
الشباب يحتاجون إلى معنى، وإلى انتماء، وإلى شعور بالقدرة والتأثير. وإذا لم توفر الدولة مؤسسات صحية تستوعب هذه الطاقة، فقد تبحث عنها جهات أخرى.
وهنا ندخل إلى ملف أكثر تعقيداً: الجماعات المسلحة والمتطرفة.
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية صعود تنظيمات استقطبت آلاف الشباب، مستفيدة من الفقر، والبطالة، والانهيار الاجتماعي، والشعور بالتهميش، والفراغ الفكري والسياسي.
ولا يصح اختزال نشوء تنظيمات مثل داعش وجبهة النصرة في غياب الخدمة العسكرية؛ فالأسباب أعمق بكثير، وتتداخل فيها الحروب، والتدخلات الخارجية، والأزمات السياسية، والأيديولوجيات المتطرفة، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
لكن يمكن طرح سؤال آخر:
ماذا يحدث عندما يكون الشاب بعيداً عن الدولة، وبعيداً عن مؤسساتها، وبعيداً عن أي مشروع وطني جامع، بينما تأتي جماعة منظمة لتمنحه المال والانتماء والسلاح والهوية والهدف؟
هنا يصبح الفراغ الاجتماعي والأيديولوجي أرضاً خصبة للاستغلال.
من يحارب باسم من؟
هذه النقطة تستحق التأمل.
عندما يتحول الشباب في المجتمعات المنهكة إلى وقود لحروب داخلية، فإن الخاسر الأول هو المجتمع نفسه.
شاب عربي أو مسلم فقير، بلا عمل ولا أفق، يمكن أن يجد نفسه في حرب لا يعرف من المستفيد الحقيقي منها. يقتل ويُقتل، بينما تستنزف المجتمعات العربية نفسها في صراعات داخلية، وتُستهلك طاقتها البشرية والاقتصادية، وتبتعد بوصلتها عن التحديات الأساسية التي تواجهها.
وهنا يمكن أن نفهم أحد أخطر أشكال هندسة الصراع:
ليس المطلوب دائماً أن يهزم خصمك جيشك؛ أحياناً يكفي أن تجعل مجتمعك يستهلك نفسه بنفسه.
ولهذا فإن مكافحة التطرف لا تكون أمنية فقط. إنها أيضاً معركة على التعليم، والعمل، والكرامة، والهوية، والانتماء، والمشروع الوطني.
السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه
هل من الصدفة أن يكون هناك كيان يربط جزءاً كبيراً من مجتمعه بالخدمة العسكرية والاحتياط والتعبئة، في مقابل مجتمعات عربية كثيرة أصبحت فيها العلاقة بالمؤسسة العسكرية أكثر انفصالاً عن الحياة اليومية؟
ربما تكون الإجابة أكثر تعقيداً من «نعم» أو «لا».
لكن مجرد طرح السؤال مهم؛ لأن التفكير الاستراتيجي يبدأ من مقارنة النماذج، لا من ترديد الشعارات.
علينا أن ندرس: ماذا يفعل الخصم؟ لماذا يفعله؟ ما النتائج التي يحققها؟ ثم نسأل: ماذا نفعل نحن؟ ولماذا؟ وما البديل؟
لا ينبغي أن يكون هدفنا تقليد دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل أن نفهم آليات القوة لديها ونبني نموذجاً وطنياً مستقلاً يناسب مجتمعاتنا.
الدفاع عن الوطن ليس بالضرورة ثكنة
ربما يكون هذا هو الاستنتاج الأهم.
القوة الوطنية لا تعني بالضرورة أن يحمل كل مواطن بندقية. لكنها تعني أن يكون المواطن جزءاً من منظومة حماية مجتمعه.
قد يكون ذلك من خلال الجيش، أو الاحتياط، أو الدفاع المدني، أو الإسعاف، أو إدارة الكوارث، أو الأمن السيبراني، أو التدريب على الطوارئ، أو الخدمة الوطنية، أو التعليم الذي يبني حس المسؤولية والانضباط والانتماء.
المشكلة ليست في شكل الخدمة فقط، بل في السؤال الذي تقف خلفه:
هل نريد مواطناً مستهلكاً ينتظر من يحميه، أم مواطناً يمتلك القدرة على حماية مجتمعه عندما يحتاج إليه؟
بين جيش الدولة وجيش المجتمع
ربما تحتاج المجتمعات العربية اليوم إلى إعادة التفكير في مفهوم «خدمة العلم» بعيداً عن النموذج التقليدي.
فبدلاً من النظر إليها كعبء على الشباب أو كعام إضافي يؤخر الدراسة والعمل، يمكن التفكير في نموذج حديث للخدمة الوطنية يجمع بين التدريب العسكري الأساسي، والدفاع المدني، والإسعاف، والاستجابة للكوارث، والأمن السيبراني، والانضباط المهني، والعمل التطوعي.
عندها تصبح الخدمة مشروعاً لبناء الإنسان، لا مجرد تدريب على حمل السلاح.
لكن الأهم أن تكون هذه المؤسسة وطنية فعلاً، تخضع للقانون، وتحفظ كرامة المواطن، ولا تتحول إلى وسيلة للاستغلال أو القمع.
في النهاية: السؤال أكبر من خدمة العلم
ربما تكون خدمة العلم مجرد تفصيل صغير في لوحة أكبر.
اللوحة تتعلق بكيفية بناء الدولة لمجتمع قادر على الصمود.
فالعدو لا يُواجه بالسلاح وحده. تُواجهه أيضاً المعرفة، والاقتصاد، والتعليم، والوعي، والوحدة الاجتماعية، والانضباط، والقدرة على التعبئة، والثقة بالمؤسسات.
ولذلك، بدلاً من أن نسأل فقط:
«لماذا ألغينا خدمة العلم بينما دولة الاحتلال الإسرائيلي لم تلغها؟»
علينا أن نطرح أسئلة أوسع:
لماذا نترك جزءاً كبيراً من شبابنا خارج أي مشروع وطني جامع؟
لماذا لا نمنحهم مهارات حقيقية في الدفاع المدني وإدارة الأزمات؟
كيف نمنع استغلال الفقر والبطالة والفراغ الفكري في تجنيدهم لمشاريع لا تخدم مجتمعاتهم؟
كيف نبني مجتمعاً يستطيع أن يتحول عند الخطر من جمهور ينتظر النجدة إلى مجتمع قادر على الصمود؟
المعادلة في النهاية ليست: «خدمة علم أم لا».
المعادلة هي:
مجتمع مستعد… أم مجتمع مستهلك؟
شباب يُبنى ليحمي وطنه… أم شباب يُترك للفراغ كي يصبح وقوداً لحروب الآخرين؟
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية: معركة بناء الإنسان قبل بناء الجندي.
