في الأغوار الجنوبية، لا يدور الجدل حول آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية فحسب، بل حول منطقة تتداخل فيها اعتبارات الأمن الغذائي مع هواجس أمنية وعسكرية تتعلق بموقع الأغوار وأهميتها الاستراتيجية، ومع طرح تعديلات قانون الملكية العقارية لعام 2026، تتصاعد المخاوف من أن تؤدي استملاكات الأراضي إلى تغيير طبيعة المنطقة وإضعاف وجود سكانها، وسط تحذيرات نيابية من أن يكون وراء هذه الإجراءات أبعاد تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية والتنموية، وصولًا إلى تشكيل منطقة عازلة على غرار ما جرى في مناطق حدودية أخرى.
وفي المقابل، تزعم الحكومة الأردنية، أن التعديلات تهدف إلى تحديث التشريعات وتنفيذ مشاريع استراتيجية، وأن الاستملاكات المثارة في غور الصافي وغور فيفا لا تخضع للتعديلات الجديدة، وذلك في الوقت الذي لا تتجاوز فيه مساحة الأراضي المزروعة 1.9% من مساحة الأردن.
وتشكل الأراضي المزروعة في غور الأردن ما مساحته 3,499 دونما من الأراضي بما يشمل غور الصافي وغور فيفا، وتمثل سلة الأردن الغذائية وأمنها الاستراتيجي، وسط مطالبات شعبية أردنية وكذلك من مزارعي الأغوار الأردنية، وقف قرار الاستملاك “كونه يعني التخلي عن ثروة وطنية، فضلا عن آثار بيئية تتمثل في التصحر وتدهور التربة.
وأكد مزارعو الأغوار، أن الأراضي الزراعية التي يجري العمل على استملاكها، صالحة للزراعة 100%، ولكن يتم إغداق ادعاءات غير دقيقة من أجل تسهيل عمليات استملاكها، مطالبين ملك الأردن بالتدخل “لأننا لا نريد بيع أراضينا وأراضينا ليست للبيع”.
ووفق مزارعي الأغوار الأردنية، فإن الأرض تشكل مصدر رزق لآلاف الأسر والمزارعين والعائلات في الأغوار، ما يعني فقدان أكثر من 3000 عامل مصدر رزقهم وانضمامهم إلى صفوف العاطلين عن العمل، بسبب محاولة استملاكها من قبل إحدى الشركات، وسط مخاوف من تملكها لغير الأردنيين، في الوقت الذي يعمل فيه الاحتلال الإسرائيلي على تعزيز الاستيطان على الحدود مع الأردن.
وشدد المزارعين، على أن الغور دائما مهمش، “ونحن نشأنا وتربينا في هذه الأرض كيف يمكن أن نبيعها!”، داعيين الحكومة الأردنية إلى زيارة الأغوار الجنوبية والاطلاع على القضية.
وقال أحمد القطاونة عضو مجلس النواب الأردني، إن الحقيقة وراء محاولة شراء الأراضي في غور الأردن هي تشكيل منطقة عازلة على غرار لبنان وسوريا، وهناك بعد عسكري وأمني في قضية استملاك أراضي الأغوار لتحقيق منطقة عازلة على الحدود مع الاحتلال.
ووفق القطاونة، فإنه يجري العمل على شراء الأراضي لإخلائها من السكان، الذين سيعني بقاؤهم الدخول في مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، بما يسهل على المجتمع الدولي أن يغض البصر عن أي عمليات تهجير قادمة بسبب إفراغ المنطقة من السكان بعد شراء الأراضي.
وفي مجلس النواب، طرح قانون معدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، ما فجر خلافات واسعة بين الحكومة الأردنية والنواب والمزارعين في الأغوار، بعدما أثارت مخاوف من أنها قد تمس حقوق الملكية الخاصة، وحماية الأراضي الزراعية وتملّك غير الأردنيين للأراضي.
وينص قانون الملكية العقارية على جواز استملاك ومصادرة ما لا يزيد على ربع مساحة العقار دون تعويض عند إنشاء الطرق، استنادا إلى افتراض أن الطريق يرفع القيمة السوقية للجزء المتبقي من العقار ويحقق له منفعة مباشرة، وهو ما يُعرف بـ”الربع القانوني”.
أما التعديل المقترح فيضيف عبارة “السكك الحديدية” إلى تعريف “الطريق” الوارد في المادة الثانية، بحيث يشمل التعريف الشوارع والجسور والممرات وحرم الطريق وسكك الحديد، والأثر العملي لهذا التعديل، بحسب معارضيه، هو توسيع نطاق تطبيق قاعدة الاستملاك دون تعويض لتشمل مشاريع السكك، رغم أن طبيعة السكة تختلف جوهريا عن الطريق العادي.
والمشروع المطروح هو تعديل على قانون الملكية العقارية بالمملكة، الذي ينظم مختلف شؤون الملكية العقارية والاستملاك والبيع والإفراز وإزالة الشيوع في البلاد.
وتتعلق المادة الأولى من التعديل، بإضافة السكك الحديدية للبوتاس المدعومة من الإمارات إلى تعريف الطريق بحيث تؤدي إلى تجزئة الأرض وفرض سياجات عليها وتقييد الوصول إليها وخفض قيمتها السوقية، والثانية بتنظيم تملك غير الأردنيين للأراضي خارج حدود التنظيم.
وشهدت جلسات مجلس النواب اعتراضات واسعة على المادة، وسجل عدد من أعضاء اللجنة القانونية مخالفات رسمية عليها، مطالبين بحذف عبارة “السكك الحديدية” من تعريف الطريق، أو النص صراحة على دفع تعويض كامل عن الأراضي المستملكة وعن أي ضرر يلحق بالجزء المتبقي من العقار.
واعتبر نواب أن أي توسع في هذا الملف يجب أن يسبقه تشديد للضوابط المرتبطة بالأمن الوطني والأمن الغذائي والتخطيط العمراني، في حين تزعم الحكومة أن التعديل محدود ويقتصر على التملك السكني ضمن شروط واضحة.
وأكد نواب أردنيون، أن الخلاف يتعلق بطريقة تنظيم الاستملاك، ولا يجوز منح السكك الحديدية الامتياز ذاته الذي يسمح باستملاك جزء من الأرض دون تعويض.
وبشأن التعديلات الخاصة بتملك غير الأردنيين، طالب نواب، بتشديد الضوابط المتعلقة بالتملك خارج حدود التنظيم، ومنح الحكومة صلاحيات أوسع لتقييده وفق اعتبارات الأمن الوطني، والتخطيط العمراني، وحماية الأراضي الزراعية.
تعزيز الحدود مع الأردن
والشهر الماضي، أعلنت وزارة حرب الاحتلال الإسرائيلي عن خطة لما اسمته تعزيز الحدود الشرقية مع الأردن عبر تعزيز الأمن الشامل ورفع مستوى الجاهزية على امتداد أطول حدود برية لدولة الاحتلال.
وبحسب وسائل إعلام عبرية، فإن الخطة تتضمن الخطة إنشاء نحو 40 نقطة استيطانية جديدة، إلى جانب توسيع وتعزيز منظومات جيش الاحتلال وتطوير البنية التحتية في المنطقة.
وأوضحت أن مسؤول المنطقة الشرقية في جيش الاحتلال الإسرائيلي مردخاي بنيتا، قدم خطة وزارة جيش الاحتلال لتعزيز الأمن الاستيطاني على طول الحدود.
وأشارت إلى أن جزءا من هذه الخطة، يجري حاليا إنشاء نحو 40 موقعا استيطانيا جديدا، سيتم الاستيلاء عليها ن قبل مستوطنين مسلحين وذلك في إطار توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
المصدر: شبكة قدس الإخبارية
