حسن حردان

شكلت العملية النوعية التي نفذتها المقاومة في محيط بلدة “الطيبة” قرب نهر الليطاني، واستهدفت قوة راجلة من نخبة قوات الاحتلال الإسرائيلية، نقطة تحوّل بارزة في مسار المواجهة البرية بجنوب لبنان. العملية النوعية التي أسفرت عن مقتل جندي وإصابة 7 آخرين، من بينهم ضباط برتب رفيعة، لم تكن مجرد تفجير لعبوة ناسفة في دورية عادية، بل حملت في طياتها دلالات عسكرية وسياسية بالغة التعقيد، أعادت إلى الأذهان الإسرائيلية هواجس “الحزام الأمني” المرير قبل عام 2000.

الميدان يكذب أوهام “السيطرة الكاملة”

جاء الإعلان الرسمي لجيش الاحتلال عبر المتحدث باسمه ليصدم الشارع “الإسرائيلي” بنوعية الخسائر؛ حيث أصيب عقيد يشغل منصب نائب قائد “الفرقة 36” (أكبر وأهمّ الفرق المدرعة في جيش العدو)، ومقدّم يشغل قيادة كتيبة احتياط في مجموعة النقل 556.
هذا الإنجاز للمقاومة في منطقة كان يُفترض أنها تخضع “للسيطرة والتمشيط” بعد عبور قوات الاحتلال لنهر الليطاني لجهة بلدة زوطر الشرقية، يثبت بالدليل القاطع أنّ محاولات فرض حزام أمني مستقرّ هي ضرب من الوهم. فالمقاومة لم تفقد هيكليتها القيادية، بل إنها قادرة على الرصد الاستخباري الدقيق واختيار الأهداف النوعية (مجموعات القيادة) في اللحظة والمكان المناسبين.

شهادات إسرائيلية:
الهروب من فخ الاستنزاف

التحليلات والشهادات التي نقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية عقب العملية، عكست عمق المأزق الإسرائيلي الميداني:
إقرار بالتسلل والقصور: أشارت تقارير القناة 12 العبرية إلى أنّ التقديرات العسكرية تؤكد نجاح مقاتلي حزب الله في التسلل مجدّداً إلى قرية الطيبة وزرع العبوات في مسارات تحرك القوات الراجلة، مما يعني نسف فكرة السيطرة الجغرافية المستدامة للجيش “الإسرائيلي”.
شبح التسعينيات يعود: كتبت صحيفة “يديعوت أحرونوت” في قراءتها لمخاطر التوغل شمال وجنوب الليطاني، لافتةً إلى أنّ شريحة واسعة من الجمهور “الإسرائيلي” الحالي لم تعش تجربة الوجود العسكري المريرة في جنوب لبنان خلال تسعينيات القرن الماضي، حين كانت عبوات حزب الله تحوّل القوافل “الإسرائيلية” إلى مصائد يومية؛ محذرة من أنّ السيطرة التكتيكية المؤقتة على بعض التلال أو القلاع (مثل قلعة الشقيف) سرعان ما تتحوّل إلى مواقع معزولة مستنزفة تحت النار.
تكامل التهديدات المربك: ترافق هذا الكمين مع هجوم انقضاضي مزدوج بالطائرات المُسيّرة استهدف قوة إخلاء عسكرية في قطاع آخر، وهو ما دفع المحللين العسكريين “الإسرائيليين” للاعتراف بأنّ تكامل تكتيكات المقاومة (بين العبوات الأرضية وسلاح الجو المُسير) يخلق بيئة استنزاف لا يمكن للجيش تحمّل كلفتها البشرية لزمن طويل.

الأبعاد السياسية: الميدان
يفرض شروط المفاوضات

من الواضح أنّ هذه الخسائر من رتب قيادية عليا في جيش الاحتلال “الإسرائيلي” تشكل مادة ضغط حارقة على طاولة صنع القرار في تل أبيب. “إسرائيل”، التي عُرفت تاريخياً بحساسيتها المفرطة تجاه الخسائر البشرية، تجد نفسها اليوم أمام خيارين: إما الغرق في مستنقع استنزاف لا أفق عسكرياً له، أو البحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه.
كما تأتي هذه العملية لتعزز الاتجاه نحو قبول المقترحات الدبلوماسية وسيناريوات التفاهم ( تفاهمات أميركية ـ إيرانية شاملة لإنهاء الحرب على كافة الجبهات). فالضربات النوعية للمقاومة تُثبت معادلة أن “لا عودة إلى ما قبل الثاني من مارس”، وأنّ أيّ محاولة لفرض واقع أمني ينتهك السيادة اللبنانية ستواجه بفيتو ميداني مكلف جداً.
في نهاية المطاف، تعيد عملية الليطاني كتابة شروط التفاوض بالدم والنار. إنها تؤكد للاحتلال وللمجتمع الدولي أنّ السيادة اللبنانية ليست بنداً مطروحاً للمساومة على الورق، بل هي خط أحمر تحميه كمائن المقاومين ومُسيّرات الجو، ممّا يجعل الانسحاب “الإسرائيلي” الكامل وغير المشروط من الجنوب الممر الإجباري والوحيد لوقف الحرب، وتجنّب سيناريو المستنقع التاريخي الذي خبرته “إسرائيل” جيداً عشية هزيمتها وهروبها الذليل من لبنان عام 2000…