من يقرأ أدبيات البروباغندا الصهيونية ومقالات مروجيها، يدرك على الفور عمق المأزق الاستراتيجي والوجودي الذي يتخبط فيه الكيان المؤقت. المقال الأخير للمغرد والناشط الصهيوني المقرب من دوائر القرار “حننيا نفتالي” ليس مجرد قراءة لحدث عابر، بل هو وثيقة اعتراف صريحة بتآكل ما كان يُسمى “الردع الإسرائيلي” أمام بأس وعزم المقاومة في لبنان، وانكشاف تام لزيف السيادة الصهيونية المزعومة.
أولاً: أسطورة “الانضباط الاستراتيجي” وعقدة العجز العسكري
يزعم كاتب المقال واهماً أن قادة الاحتلال يمارسون ما أسماه “الانضباط الاستراتيجي” و”ضبط النفس”. لكن العارفين بحقائق الميدان، والذين يقرؤون بين سطور المقال نفسه، يدركون أن هذا “الانضباط” ليس سوى قناع هش يغطي العجز الصهيوني عن مواجهة معادلات المقاومة؛ فالتهديدات الجوفاء التي أطلقها بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، تلاشت في غضون ساعات وتحولت إلى تراجع فاضح يعكس الرعب الحقيقي من رد المقاومة الصاعق الذي كان بانتظارهم لو تجرأوا على تجاوز الخطوط الحمراء، فالمقاومة رسخت معادلة “بيروت مقابل تل أبيب” وجعلت العدو يحسب للمليون حساب قبل أي حماقة.
ثانياً: الإملاءات الأميركية وزيف السيادة الصهيونية
يكشف المقال بوضوح لا لبس فيه كيف تُدار حكومة العدو عبر “الهواتف الخلفية والإملاءات الخارجية”، حيث يروي الكاتب كيف تلقى نتنياهو مكالمات هاتفية “عنيفة وغير لطيفة” من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبّر فيها الأخير عن قلق واشنطن العميق من أن ضرب بيروت سيفجر المفاوضات النووية الحساسة التي تجريها إدارته مع إيران. هذا الصراخ الأميركي والضغط المباشر الذي أجبر ترامب على إعلان وقف إطلاق النار من طرف واحد عبر منصاته وتأكيد عدم تحرك الآليات الصهيونية نحو بيروت، يثبت بالدليل القاطع أن هذا الكيان الغاصب ليس إلا وظيفة عسكرية ذليلة تحت الإمرة الأميركية، تفقد قدرتها على الحركة بمجرد صدور الأوامر من واشنطن، على الرغم من محاولات نتنياهو الخائبة لإصدار بيانات ملتفة ومخادعة لحفظ ماء وجهه أمام مستوطنيه الغاضبين.
وفي اعتراف صريح ببأس المقاومة وقدرتها على فرض شروطها، يقر المقال بأن المقاومة أمطرت مواقع الاحتلال وشمال فلسطين المحتلة بأكثر من 300 قذيفة وصاروخ، مما أدى إلى مصرع العديد من جنود النخبة الصهاينة، وذلك منذ اليوم الأول لما سُمي “اتفاق 16 نيسان”. إن هذا الاعتراف يثبت أن المقاومة هي من يمسك بزمام المبادرة والميدان، وأنها لا تقيم وزناً لتهديدات العدو. وما إرسال المقاومة لطائرة مسيّرة انقضاضية لتفعيل صفارات الإنذار في شمال الكيان فور صدور بيان نتنياهو الاستعراضي، إلا صفعة ميدانية مباشرة أكدت للاحتلال أن زمن الاستفراد والغطرسة قد انتهى إلى غير رجعة، وأن المقاومة بالمرصاد لتأديب أي خرق صهيوني.
خاتمة:
إن مقال حننيا نفتالي، بما يحمله من اعترافات صريحة بالخوف من الإملاءات الأميركية، وبالعجز أمام ضربات المقاومة الصاروخية، وبانقسام وتوتر الجبهة الداخلية للعدو، يمثل بشارة صارخة واضحة لأمتنا وبينة على صوابية خيار المقاومة. لقد ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات؛ والمقاومة في لبنان اليوم، بوعيها الاستراتيجي واقتدارها العسكري، تثبت للعالم أجمع أن معادلة القوة لا تُصنع بالبيانات الجبانة الكاذبة، بل بسواعد المجاهدين في الميدان، مؤكدةً من جديد وبالمعطيات الصهيونية ذاتها، أن هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت وسيكون مآله الزوال الحتمي.
مقال حننيا نفتالي: https://mailchi.mp/hananyanaftali/trump-called-netanyahu
د. نبيلة عفيف غصن
