عندما تشتعل الأجواء اللفظية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، يتوقع الكثيرون صداماً عسكرياً وشيكاً. لكن المشهد الأخير كشف إما عن سوء تقدير أمريكي-إسرائيلي عميق لسرعة اشتعال الموقف في طهران، أو عن مسرحية هزلية جيدة الإخراج. فبمجرد أن رفضت إيران التفاوض تحت الضغط ولوحت بضربات نوعية تطال العمق الإسرائيلي والإمارات، انقلب دونالد ترامب فجأة من صقر الحروب والتصعيد إلى “حمامة سلام” تدعو للهدوء والتريث.
​دبلوماسية التراجع: ترامب المرن فجأة
​خرج الرئيس الأمريكي ليصرح بدم بارد أن “الانقطاع في المفاوضات أمر طبيعي تماماً”، وأن الصمت الإيراني لا يعني إطلاقاً أن القاذفات الأمريكية ستبدأ في إسقاط القنابل غداً. هذا التبدل الحاد في النبرة، مدعوماً بعبارات مثل “أنا لست قلقاً على الإطلاق… ويمكنني الانتظار طالما أراد الإيرانيون”، يعكس حقيقة واضحة: التهديد الإيراني يمتلك طاقة عجيبة لإعادة العقلانية والرشد السياسي إلى البيت الأبيض عندما تتجاوز الأمور الخطوط الحمراء.
​كبح جماح تل أبيب وحسابات بيروت
​هذا التراجع الأمريكي لم يقتصر على التصريحات السياسية فحسب، بل تُرجم ميدانياً وبسرعة فائقة في ملفات إقليمية حساسة:
​قنوات الاتصال الخلفية: ذهب ترامب أبعد من ذلك ليعلن عن تواصله مع ممثلي “حزب الله” والتوصل إلى تفاهمات لوقف إطلاق النار، في خطوة تثبت أن واشنطن هي من هرعت لإطفاء الحريق خوفاً من خروج الأمور عن السيطرة الكاملة.
​لكن ما الذي يخيف واشنطن فعلياً؟ هل هي الترسانة العسكرية وحدها؟ الواقع يخبرنا أن “الترمومتر” الحقيقي للسياسة الأمريكية هو سوق الطاقة العالمي والناخب الأمريكي في آن واحد. بمجرد أن لوحت طهران بورقة إغلاق مضيق هرمز وتشديد الخناق على الملاحة البحرية، قفزت أسعار “الذهب الأسود” بشكل حاد بنسبة تفوق 7%.توضح الخريطة بجلاء كيف يمثل مضيق هرمز شرياناً جغرافياً حرجاً يقع بالكامل تحت المجهر والسيطرة الإيرانية المباشرة. إغلاق هذا الممر الضيق، أو حتى التلويح الجدي بتشديد الرقابة وتلغيم ممراته، يعادل شل حركية الاقتصاد الغربي.
​ترامب، الذي لطالما حاول تهدئة الأسواق عبر تصريحات تطمينية متكررة لخفض الأسعار، يدرك هذه المرة أن اللعبة تجاوزت مجرد حرب نفسية، وأن الأثر اللفظي لتصريحاته بات أضعف أمام الحقيقة الصلبة: خطر انقطاع الإمدادات لا يمكن علاجه بالتغريدات.
​خلاصة القول: يثبت هذا المشهد أن لغة القوة والقدرة على خلط الأوراق الإقليمية والاقتصادية هي الورقة الرابحة الوحيدة في مواجهة الإدارة الأمريكية. التهديدات الإيرانية لم تكن مجرد شعارات حماسية، بل كانت بمثابة “صدمة كهربائية” أعادت ترتيب الأولويات في واشنطن وتل أبيب، ليتحول التلويح بالقنابل إلى سباق مع الزمن للتهدئة، خوفاً من غضب أسواق النفط التي لا ترحم أي رئيس في البيت الأبيض.
د. نبيلة عفيف غصن