من طهران إلى بكين وموسكو: كيف تصدّع القطب الواحد وبدأ الشرق بإعادة تشكيل العالم؟

فاتنة علي،لبنان/سورية الكبرى

لم تكن الحرب على إيران حدثاً طارئاً وُلد في لحظة سياسية عابرة، ولم تبدأ المواجهة معها في “حرب الأيام الاثني عشر” كما يظن البعض، بل إن ما جرى كان ذروة مسار طويل من الحصار والاستنزاف والحروب المركبة التي مورست ضدها لعقود. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائماً بالدبابات والطائرات، بل تبدأ بالعقوبات والتجويع والحصار الاقتصادي والاختراق الأمني والحرب الإعلامية ومحاولات العزل السياسي، ثم تصل في النهاية إلى الصدام العسكري المباشر.

ولهذا فإن الاعتقاد بأن الحرب على إيران اندلعت خلال العامين الأخيرين فقط، هو قراءة سطحية للمشهد. فإيران كانت تخوض حرباً مفتوحة منذ سنوات طويلة، لكن المختلف اليوم أن هذه الحرب انتقلت إلى مرحلة أكثر وضوحاً وصداماً، وأن نتائجها لم تعد محصورة داخل حدود المنطقة، بل بدأت تعيد تشكيل التوازنات الدولية نفسها.

فالولايات المتحدة لم تكن تريد مجرد إضعاف إيران، بل كانت تريد إسقاط نموذج كامل يقوم على فكرة الصمود والاستقلال والخروج من العباءة الأمريكية. وكانت تراهن على أن سنوات الحصار الطويلة كفيلة بإسقاط الداخل الإيراني أو دفعه إلى الانهيار السياسي والعسكري والنفسي. لكن ما حدث كان العكس تماماً.

إيران التي حوصرت لعقود، وقُطعت عنها الموارد، واستهدفت بالعقوبات والاغتيالات والتهديدات والحروب غير المباشرة، وقفت في هذه الجولة ثابتة، وهذا الثبات بحد ذاته كان الزلزال الحقيقي.

لأن القوة الأمريكية لم تكن تقوم فقط على السلاح، بل على صناعة صورة ذهنية تقول إن الولايات المتحدة قادرة دائماً على كسر خصومها وإخضاعهم مهما طال الوقت. وحين تفشل في إسقاط دولة محاصَرة منذ عقود، فإن صورة الإمبراطورية نفسها تبدأ بالتشقق.

ومن هنا تحديداً بدأت الرسائل الدولية تتوالى.

فالرسائل لم تُرسل إلى واشنطن من إيران وحدها، بل جاءت من أوروبا وروسيا والصين وحتى من بعض دول الخليج العربي التي نشأت تاريخياً داخل المظلة الأمريكية وتحت حمايتها.

في أوروبا بدأت دول كبرى تتحرك بهدوء بعيداً عن الاحتكار الأمريكي للمشهد العالمي. فرنسا وألمانيا وهولندا مضت باتجاه توسيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع الصين، في إشارة واضحة إلى أن القارة الأوروبية نفسها لم تعد ترى المستقبل حصراً في الهيمنة الأمريكية، بل بدأت تبحث عن تموضع جديد يحفظ مصالحها في عالم يتغير بسرعة.

لكن الرسائل الأخطر جاءت من الشرق.

فبعد زيارة دونالد ترامب إلى الصين، والتي حاولت واشنطن من خلالها تحقيق اختراق اقتصادي وسياسي يعيد تثبيت موقعها، جاءت التحركات الروسية الصينية لتقول إن العالم يسير في الاتجاه المعاكس تماماً.

روسيا أدركت مبكراً أن حديث ترامب عن الهدن والمفاوضات لم يكن سوى محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق. فالولايات المتحدة التي كانت تتحدث سابقاً بتعالٍ عن أن حلف شمال الأطلسي لم يعد ضرورياً، عادت لتتمسك به من جديد، لأنها أدركت أنها لم تعد قادرة على إدارة المواجهات الكبرى وحدها.

وموسكو فهمت أن واشنطن تريد استخدام هذا الحلف في إطار أوسع يطوق روسيا ويضغط على إيران ويعيد تثبيت النفوذ الأمريكي عالمياً، فجاء الرد الروسي سريعاً وعنيفاً عبر تصعيد غير مسبوق في أوكرانيا، في رسالة واضحة مفادها أن روسيا لن تنتظر حتى تُحاصر بالكامل، بل ستفرض معادلاتها بالقوة وتحمي وجودها وممراتها الاستراتيجية باتجاه أوروبا.

وفي الوقت نفسه، جاءت الزيارة الروسية إلى الصين لتكشف حجم التحول الذي يجري في الشرق. عشرات الاتفاقيات وُقعت بين الطرفين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والتعاون الاقتصادي والعسكري، ولم تكن تلك الاتفاقيات مجرد تفاهمات اقتصادية عابرة، بل إعلاناً واضحاً عن بناء محور دولي جديد قادر على منافسة النفوذ الأمريكي.

أما الصين، فقد كانت رسائلها أكثر هدوءاً في الشكل، لكنها شديدة القسوة في المضمون.

فالرسائل الصينية لم تبدأ بالكلمات، بل بدأت من مراسم الاستقبال، ومن لغة الجسد، ومن طريقة إدارة اللقاءات، وحتى من تفاصيل العشاء الرسمي وطريقة التوديع. كل ذلك كان يحمل دلالات سياسية تقول إن بكين لم تعد تتعامل مع واشنطن من موقع التابع أو الطرف القلق، بل من موقع القوة الصاعدة الواثقة بنفسها.

ثم جاءت الترجمة السياسية الأوضح في اللقاء الذي جمع الرئيسين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ، حيث لم يكن الرد على واشنطن عبر الاتفاقيات فقط، بل عبر إعادة تثبيت قواعد النفوذ الجديدة، وخصوصاً في ما يتعلق بالممرات البحرية والطاقة.

وعندما جرى التأكيد على أن السيادة على مضيق هرمز هي سيادة إيرانية ـ عمانية، كانت الصين ترسل رسالة شديدة الوضوح بأنها تحمي خطها البحري ومصالحها التجارية، وأنها لن تسمح للولايات المتحدة بالتحكم الكامل بشرايين الاقتصاد العالمي كما فعلت لعقود.

ولعل اللحظة الأوضح كانت حين سُئل شي جين بينغ عن “فخ ثيوسيديدس”، أي الصدام المحتوم بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة، فجاء الرد الصيني دبلوماسياً في الشكل، لكنه حمل إنذاراً واضحاً بعدم العبث بملف تايوان أو محاولة محاصرة الصين داخل حدود النفوذ الأمريكي.

وهنا تتضح الصورة الكاملة للمشهد.

إيران كانت الدولة التي تلقفت الضربات الأولى بصدرها.
هي التي وقفت تحت النار ومنعت سقوط المشهد بالكامل.
هي التي كسرت الهيبة الأمريكية وشوهت صورة الردع الإسرائيلي.
ثم جاءت الصين لتعرّي حدود القوة الأمريكية اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً.
ووصلت روسيا لتقول بلغتها الخاصة إن العالم لم يعد يُدار من عاصمة واحدة.

لكن الرسالة الأخطر على الإطلاق لم تكن عسكرية فقط، بل مالية واقتصادية أيضاً، لأن أخطر ما يهدد الولايات المتحدة اليوم هو الاتجاه المتزايد لبناء أنظمة مالية وتجارية بعيدة عن الدولار، أي ضرب الركيزة الأساسية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية لعقود طويلة.

وفي قلب هذا المشهد كله، يبرز لبنان بوصفه جزءاً أساسياً من معركة إعادة تشكيل المنطقة.

فالخطة الإسرائيلية الأمريكية كانت تقوم على تحويل الساحة اللبنانية إلى جائزة ترضية لبنيامين نتنياهو، ومخرج سياسي لدونالد ترامب، وخصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها من أزمات داخلية لكليهما.

لكن صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية قلب المعادلات في لبنان أيضاً.

أما على المستوى العسكري، فقد أثبتت المقاومة في جنوب لبنان أن ما كان يوصف لعقود بأنه “أسطورة” لم يكن خيالاً أو مبالغة إعلامية، بل حقيقة تراكمت مع الزمن حتى تحولت إلى أسطورة في وعي الناس.

فالأسطورة في الأصل ليست وهماً، بل حقيقة بلغت من الثبات والتكرار والقوة درجة جعلت الزمن يمنحها هذا الوصف.

وما جرى في جنوب لبنان لم يكن مجرد اشتباكات عسكرية عابرة، بل ملاحم حقيقية سطرتها المقاومة في الميدان، وأثبتت فيها أن الإرادة قادرة على تعطيل مشاريع كبرى مهما بلغ حجم القوة المقابلة.

هذه الجبهة التي يمتعض منها البعض، ولا يقدّر أهميتها، كانت في الحقيقة أحد الأسباب الأساسية التي منعت انهيار لبنان بالكامل أمام المشروع الإسرائيلي الأمريكي، وشكلت فشلاً ذريعاً للمخطط الذي كان يراد فرضه على المنطقة.

ومن يقرأ المشهد بعمق، ويرى الترابط بين إيران وروسيا والصين والمقاومة في لبنان، يدرك أن هذه القوى لا تتحرك كملفات منفصلة، بل كخيوط متشابكة تنسج ملامح عالم جديد، عالم يقوم على توازنات مختلفة، وعلى صراع مفتوح عنوانه السيطرة على البر والبحار والطاقة والمضائق والممرات التجارية.

ولهذا يمكن فهم الحملة الإعلامية والسياسية التي تُدار اليوم ضد المقاومة في لبنان بطريقة فجّة ومقززة، حيث يُعاد إنتاج المشهد نفسه الذي جرى في فلسطين.

فكما ادّعت السلطة الفلسطينية أنها تحمي ما تبقى من فلسطين، انتهى الأمر بمحاصرة غزة، والتضييق على المقاومين، وتسهيل مهمة الاحتلال بدلاً من حماية أصحاب الأرض.

واليوم يريد الإسرائيلي أن يكرر السيناريو نفسه في لبنان، عبر استخدام بعض أدوات الداخل اللبناني لتشويه صورة المقاومة، وتحويل الدولة إلى أداة ضغط على البيئة الحاضنة لها، تحت عناوين مثل “حماية لبنان” و”الاستقرار” و”الشرعية”.

لكن ما يفشل هذا المشروع حتى الآن، هو وجود رجال يدركون معنى الأرض والسيادة، ويفهمون أن الأوطان لا تُحمى بالخضوع، وأن التفريط يبدأ بخطوة صغيرة ثم يتحول إلى انهيار كامل.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة تعيشها الولايات المتحدة وإسرائيل، بل حالة تآكل حقيقية في بنية الهيمنة التي حكمت العالم لعقود.

فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما في السابق، وإسرائيل لم تعد تملك صورة الجيش الذي لا يُقهر، فيما يتقدم الشرق بثبات نحو إعادة تشكيل العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

قد لا يكون النظام الجديد قد اكتمل بعد، لكن المؤكد أن زمن القطب الواحد بدأ يتصدع فعلاً، وأن الشرق لم يعد مجرد جغرافيا تُستنزف، بل بات مركزاً يصوغ المعادلات ويرسم ملامح المرحلة المقبلة.

“حين تعجز الإمبراطوريات عن كسر من حاصرتهم لعقود، تدرك الشعوب أن القوة ليست في حجم النار، بل في قدرة من يقف داخلها على ألا ينحني.”