لم تعد الانتهاكات في جغرافية السيطرة الممتدة لـ “سلطة الجولاني” مجرد حوادث منفصلة أو تجاوزات فردية يحاول الجناة التستر عليها؛ بل دخلت هذه السلطة، وفق القراءة التحليلية للمشهد الحقوقي والسياسي، مرحلة “الشرعنة العلنية للجريمة والتباهي بها”. إن التحول من نهج “الإنكار والتضليل” إلى مرحلة الدفاع عن الجناة وتجريم الضحايا يمثل تحولاً بنيوياً في سلوك هذه السلطة، حيث بات مسؤولوها ومشايخها يعلنون صراحة أن المطالبة بالعدالة والحقوق الأساسية هي “جريمة” تستوجب العقاب الجماعي، مستندين إلى آلة قمعية وأمنية تتجاوز مفهوم “الإفلات من العقاب” إلى التحدي السافر للقانون الدولي والعهود الأممية.
يكشف هذا المقال التحليلي، المستند إلى التقارير والتوثيقات الصادرة عن المرصد الوطني السوري لحقوق الإنسان، عن الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية لهذه الانتهاكات التي وقعت خلال الفترة الأخيرة، والتي ترسم صورة واضحة لسياسة اضطهاد منهجية تهدف إلى تفكيك النسيج المجتمعي وتصفية الخصوم السلميين، وسط حالة عارمة من الفلتان الأمني والانهيار الاقتصادي والخدمي.
أولاً: السياق العام والتحريض الطائفي كأداة سياسية
تجاوزت سلطة الجولاني الخطوط الحمر للعمل الأمني التقليدي عبر الانتقال إلى “الخطاب التحريضي العلني”. إن التصريحات الصادرة عن رموز هذه السلطة، مثل الخطاب الصادر عن مفتي إعزاز الشيخ “أبو مالك”، والذي دعا فيه علانية إلى “ضرب العلويين بيد من حديد” ولعنهم إثر مطالباتهم السلمية بمخطوفاتهم (مثل قضية الطالبة بتول سليمان علوش)، لا يُمكن تصنيفه مجرد زلة لسان؛ بل هو الركن المعنوي الكامل لجريمة الاضطهاد والإبادة الجماعية.
عندما يُعرّف الخطاب الرسمي المطالبة بالحقوق بأنها “تلفيق تهم للدولة”، ويبرر اختطاف النساء والأهالي بذرائع عقائدية بزعم أنها “هاجرت إلى الإسلام”، فإن السلطة هنا تمنح “إذناً مفتوحاً بالقتل والتعذيب” لعناصرها الأمنية. هذا التحريض الطائفي المباشر يتوازى مع تهميش وإهانات طالت مكونات مجتمعية أخرى، كالتصريحات الصادرة عن حسين الشرع بحق أهالي دير الزور ووصفهم بالهمج والمتخلفين، مما فجر موجات من الغضب الشعبي والمظاهرات العارمة التي طالبت بإسقاط النظام.
بناءً على المعايير المستمدة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) والعهود الدولية، فإن الممارسات الموثقة ميدانياً تتجاوز الجرائم العادية لتصبح جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مكتملة الأركان، وتتوزع على عدة مسارات إجرامية:
تمثلت الوقائع الميدانية الموثقة في الإعدام الميداني للشاب عبد الله أحمد الرمضان في الرقة بعد ثلاثة أيام من الاختطاف والتعذيب على يد عناصر “الأمن العام”، حيث اعترف القاتل الملقب بـ “أبو صطيف” بجريمته علناً دون ملاحقة أو اعتقال. وتزامن ذلك مع استشهاد الشاب الكردي جلال أحمد بركات (حسان) في ريف الحسكة بعد توقيفه من قبل “الأمن العام”، واغتيال الفلسطيني باسل محمد سويد في قدسيا بريف دمشق بثلاث رصاصات في الرأس.
من الناحية القانونية، تشكل هذه الأفعال جرائم حرب بموجب المادة 8(2)(c)(i) (القتل العمد) وجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7(1)(a) من نظام روما الأساسي، لكونها جزءاً من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد المدنيين، فضلاً عن كونها تندرج تحت بند الاضطهاد واستهداف الضحايا على أساس هويتهم القومية أو الدينية بموجب المادة 7(1)(h).
2. جرائم الاختفاء القسري والخطف والحرمان من الحرية
تجلت هذه الانتهاكات في قضية الطالبة بتول سليمان علوش المستمرة، حيث كشفت شهادة والديها أمام لجنة التحقيق الدولية عن تورط مسؤول “الأمن الداخلي” في اللاذقية الملقب بـ “حكيم الديري” والمدعو عمر الجبلاوي في شبكة الخطف والابتزاز وإجبار الوالد على تصوير فيديو ينفي الحادثة. وترافق ذلك مع اختفاء واختطاف متتالٍ لنساء ورجال في حمص، وحماة، والساحل، وجبلة، وسلمية؛ شملت ضحى رزق أسعد، وفرح عيسى خميس، ورولا حسن سليمان، وعلي محمود الإبراهيم، وعيسى فندي، وفاطر محمد شباط، واستمرار اختطاف الشاب محمد بسام السليمان وابتزاز عائلته بفيديو تعذيب وفدية مالية ضخمة، بالإضافة إلى حملة اعتقالات تعسفية طالت مسنين ومرضى في قرية الغور الغربية بريف حمص.
يؤكد التكييف القانوني لهذه الجرائم أنها تشكل جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7(1)(i) (الاختفاء القسري) والمادة 7(1)(e) (السجن والحرمان الشديد من الحرية)، إلى جانب تكييفها كـ جريمة حرب بموجب المادة 8(2)(c)(iii) (احتجاز الرهائن لغرض المقايضة والابتزاز)، وانتهاكاً صارخاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
3. جرائم التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية
ظهر هذا السلوك السادي في حالة وفاة المعتقل غسان محسن العلي تحت التعذيب في سجن حسياء بريف حمص بعد نقله إليه بعشرة أيام، وتكرار الرواية الرسمية الموحدة بأن سبب الوفاة هو “جلطة” للتغطية على الجريمة. يضاف إلى ذلك التعذيب الوحشي الذي تعرض له عبد الله الرمضان وتشويه جثته، وفيديو تعذيب المختطف محمد السليمان، والاعتداءات الوحشية وتوجيه الشتائم الطائفية للمارة واحتجاز العائلات عند حاجز الهزة بريف حمص، والاعتداء بالضرب والشتائم الطائفية على الشاب فادي صقر في ريف جبلة من قبل عناصر “الأمن العام”.
تُكيف هذه الانتهاكات قانونياً بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب طبقاً للمادتين 7(1)(f) و8(2)(c)(i) من نظام روما الأساسي (التعذيب والمعاملة المهينة الحاطة بالكرامة)، وتعد انتهاكاً جسيماً للمواد 1 و2 و12 و16 من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984.
4. جرائم الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية والممتلكات
شهدت الجغرافيا السورية عمليات دهم وسلب ممنهجة؛ حيث اقتحمت 15 سيارة تابعة لـ “الأمن العام” منطقة المنطار في طرطوس ونفذت عمليات هدم لمنازل المدنيين أسفرت عن وقوع 4 إصابات، وقام فصيل مسلح باقتحام مكتب سيارات في خربة المعزة وسرقة محتوياته وتلفيق تهم “الفلول” لأصحابه، ومداهمة فيلا السيدة إيمان قطاع في بسنادا باللاذقية وسرقة 1.5 كغم من الذهب و60 ألف دولار مع تهديدها لمنعها من الشكوى.
تُصنف هذه الوقائع قانونياً كـ جرائم حرب واضحة بموجب المادة 8(2)(e)(i) (توجيه هجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية)، والمادة 8(2)(e)(v) (السلب والنهب)، والمادة 8(2)(e)(xii) (تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها)، فضلاً عن انتهاك الحق في الملكية المكفول عالمياً.
ثالثاً: الاضطهاد الاقتصادي وقمع الحقوق الاجتماعية
لا تتوقف جرائم هذه السلطة عند الحدود الجسدية، بل تمتد لتشمل حرباً اقتصادية واجتماعية ممنهجة ضد البيئات المحلية لإجبارها على التهجير أو الخضوع التام:
الفصل التعسفي والنهب المنظم: إن الفصل التعسفي لـ 265 موظفاً متعاقداً من شركة مصفاة بانياس دون مسوغ مهني (وأغلبهم من أبناء الطائفة العلوية)، وتنصل مؤسسة “الريجة” عن دفع مستحقات مزارعي التبغ في الساحل السوري منذ شهرين ونصف، يمثلان انتهاكاً جسيماً للحق في العمل ومستوى المعيشة اللائق بموجب المواد 2 و6 و11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويشكل جريمة اضطهاد اقتصادي مركب بهدف الإفقار المعتمد.
قمع الاحتجاجات المعيشية: تجلى القمع الأمني في منع عناصر “الأمن العام” لوقفة احتجاجية سلمية لأصحاب الحراقات البدائية عند جسر الصاخور في حلب، وإطلاق النار المباشر على المحتجين وعمال تكرير النفط في ترحين بريف حلب مما أسفر عن سقوط جرحى، إلى جانب خروج مظاهرات غاضبة في الصبورة وقرى وادي بردى بريف دمشق رفضاً لقوانين الاستملاك العقاري وتجريف الأراضي، وهو ما ينتهك الحق في التجمع السلمي المكفول بموجب المادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
رابعاً: الفوضى الشاملة والانهيار الخدمي والأمني
تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة الأجهزة المرتبطة بـ “سلطة الجولاني” والفصائل المسلحة حالة عارمة من الفلتان الأمني وفوضى السلاح التي أصبحت تلتهم أرواح الأبرياء، في ظل انهيار تام للمؤسسات الخدمية والرقابية:
في إدلب، تحول عرس في بلدة “كورين” إلى ساحة فوضى واشتباك عارم جراء مشاجرة، في حين تسببت فوضى السلاح والعبث بقنبلة يدوية على سبيل “المزاح” داخل محل لتصليح الدراجات بمدينة “سرمين” في مأساة دامية أودت بحياة شابين وإصابة آخرين. وتزامن هذا الفلتان مع إعلان الكوادر الطبية والتمريضية في مستشفى إدلب الجامعي إضراباً مفتوحاً عن الأعمال غير الإسعافية احتجاجاً على سلم الرواتب المجحف الذي لا يغطي تكاليف الطعام والمواصلات، وحملوا “وزارة الصحة” المسؤولية التامة.
في حلب، يغرق حي “الجزماتي” في تلال من النفايات والقمامة المتراكمة أمام المدارس وسط مخاوف من انتشار الأوبئة بين الطلاب، ويلخص هذا واقع الخدمات المنهار، تزامناً مع مشاجرة عائلية عنيفة بالأسلحة البيضاء في حي “الميسر” أسفرت عن عدة إصابات.
في الجنوب السوري والبادية، تتواصل الجرائم وسط غياب الردع؛ حيث عُثر بريف دير الزور أعلى بلدة “الطيانة” على جثة شخص مجهول مكبل اليدين ومبتور الأذنين ومقتول بآثار تعذيب وحشية، فيما اندلعت مشاجرة بالأسلحة البيضاء في الملعب البلدي بدير الزور عقب مباراة الفتوة وحطين وسط غياب الإجراءات الأمنية. وفي ريف حماه الشمالي (شرق صوران)، استشهد المزارع والناطور “مصطفى عبد الله الحمروش” وأصيبت زوجته بجروح بليغة إثر استهدافهما بإطلاق نار مباشر من عصابة مسلحة. أما في السويداء، فقد هزت جريمة مروعة منطقة الكورنيش حصدت أرواح شاب وشابة من عائلة واحدة (وليم وصبا بلان) وإصابة شخصين آخرين بنيران مباشرة داخل منزلهم.
أما بريف درعا، فتستمر مخلفات الحرب في حصد أرواح الأطفال وسط الإهمال التام لحملات الإزالة، حيث استشهد الطفل “تيم أنس القادري” وأصيب خمسة أطفال آخرين في بلدة الغارية الشرقية إثر انفجار جسم من مخلفات الحرب أثناء لعبهم به. وفي تطور ميداني يعكس غياب السيادة وحماية المدنيين، نفذت القوات الإسرائيلية توغلاً بـ 6 سيارات عسكرية إلى سرية الوادي (سرية جملة) بريف درعا، وأقامت حاجزاً فتشت فيه المارة لمدة نصف ساعة قبل الانسحاب باتجاه الجولان المحتل. وفي العاصمة دمشق، وثقت المشاهد تعرض فتاة لعملية سلب تحت تهديد السلاح ووضح النهار في حي الزاهرة، ونظم موظفو الدواجن وقفة احتجاجية أمام وزارة الزراعة رفضاً لاستيراد الدجاج التركي الذي دمر قطاعهم، كما نظمت كوادر مشفى دوما الإسعافي ومشفى ابن سينا للأمراض النفسية تظاهرات غاضبة احتجاجاً على إجحاف لوائح زيادة الرواتب الجديدة والتفريق بين الفئات الوظيفية، ترافق ذلك مع إضراب سائقي السرافيس في ساحة العاصي بـ حماة احتجاجاً على تعرفة النقل المنهارة مقارنة بأسعار المحروقات.
خامساً: الاستنتاجات القانونية الرئيسية وآليات المساءلة الدولية
أمام هذا المشهد القاتم، يخلص التحليل القانوني للمرصد الوطني السوري إلى أربع حقائق أساسية:
.١ سياسة تجريم الضحية: إن تصريحات المسؤولين الرسميين (كمفتي إعزاز) ليست مجرد خطاب كراهية، بل هي اعتراف صريح بوجود سياسة ممنهجة لتجريم الضحايا على أساس هويتهم، مما يحول الجرائم الفردية اللاحقة إلى “أفعال تنفيذية لسياسة دولة” تفعل المسؤولية الجنائية المباشرة للقيادة.
.٢ سياسة الإذن بالقتل: إن الإعدام الميداني الموثق للشاب عبد الله الرمضان والامتناع عن اعتقال القاتل المعتصم بالحصانة الأمنية يثبتان “سياسة الإذن بالقتل”، حيث يرتب التقاعس المتعمد عن المعاقبة مسؤولية القيادة الجنائية المباشرة بموجب المادة 28 من نظام روما.
.٤ الاضطهاد الاقتصادي المركب: إن تزامن هدم المنازل، والسرقات، وفصل الموظفين، وقمع الاحتجاجات ضد فئة مجتمعية محددة يثبت وجود هجوم منهجي لإلغاء الوجود الاقتصادي والاجتماعي لجماعات بعينها لإجبارها على التهجير القسري.
الإحالة العاجلة للمحكمة الجنائية الدولية لملاحقة القادة عن جرائم الإعدام الميداني والموت تحت التعذيب.
إدراج المحرضين على العنف (مثل مفتي إعزاز وعمر الجبلاوي وأنس عيروط المتورط في ترهيب قرى المورد والجريصية بالقنابل والرصاص) على قوائم العقوبات الدولية لتهديدهم السلم والأمن.
تفعيل لجنة تحقيق دولية متخصصة تابعة لمجلس حقوق الإنسان للتحقيق في شبكات الفساد والنهب المنظم وسلب العقارات والسيارات وممتلكات المدنيين (كما حدث في بسنادا والتبة والمنطار).
فرض رقابة دولية فورية من قِبل المقرر الخاص معني بالتعذيب واللجنة الدولية للصليب الأحمر للوصول إلى أماكن الاحتجاز وسجون حمص المركزي وحسياء لوقف مجازر “الموت بالجلطة”.
خاتمة
لقد أسقطت “سلطة الجولاني” بممارساتها وتصريحاتها ونهجها الأمني والخدمي الفاشل آخر أقنعة الادعاء بالاعتدال أو الرغبة في العيش المشترك. إنها دولة عصابات محمية بالتحريض العقائدي، وتدار بالخطف، والابتزاز، وسلب ممتلكات المواطنين وقمع لقمة عيشهم.
إن صمت العالم اليوم ليس مجرد تخاذل، بل هو في نظر هذه السلطة بمثابة “إذنٌ مفتوح باستمرار القتل”. كل يوم يمر دون مساءلة هو ضوء أخضر لارتكاب مجزرة جديدة، وخطف ضحية جديدة، وتدمير منزل جديد. التاريخ لن يرحم من وقف متفرجاً على هذا الانهيار الإنساني والأخلاقي، والعدالة – مهما طال الزمن – ستجد طريقها لإنصاف الضحايا.
المراجع:
المرصد الوطني السوري لحقوق الإنسان
مركز الدراسات القانونية والتوثيق
بقلم د. نبيلة عفيف غصن
